نبيلة يحياوي
اللوحة: الفنان المصري رمسيس يونان
لأنني تعثرت قبل أن ادرك الطريق ككل الذين يتعثرون، لم أجد طريقي معبدة.. ولم أجد ربيع مارس كما كان قبل سنوات حيث الحقول قد امتدت إلى آخر نقطة، وزهوره قد لامست شغف الأصيل وهدوء المكان قد غادر من صخب الاتراب، فكل شيء الآن قد تغير الوجوه المبتسمة الحالمة، ونسمة الصباح مع نداه الذي يدوم ساعات وساعات، صياح الديكة في فجرنا براءة قلوبنا من عبث الطفولة، الجداول والخمائل، حتى خطواتنا لا تختلف الآن عن السجان الذي يحملها في رتابة ووجل في زنزانة متمردة الجدران، فلا كتاب ولا قلم، لا شيء يعنيني الآن بعد أن تغير شهر مارس. بعد أن كبرت في داخلي الأحلام ثم هرمت فجأة دون أن ترفع غشاوة عن الطريق، تتشابه في نظري كل الطرق وكل الوجوه حتى المواسم لا تختلف كأنها لحظة عابرة تتشابه في انسيابها.
يتعين أن أبدأ من جديد هذا ما أعتقده، لكن البداية لا تأتي إلا مرة في العمر، فكل بداية جديدة هي النهاية المحتمة للذات في الزمكانية المحدودة، الجسد يشيخ، والعقل يضعف والذات تتغير فكل شيء لا يبقى على نفس الوتيرة كيف كانوا يدّعون أولئك الذين اعتقدوا بثبات الأشياء إنهم لا يبقون
على نفس مزاجهم للحظة، فكيف بعد عمر طويل؟
***
لم يكد يرفع رأسه، واجما بلا حركة وضع وثائقه فوق مكتبي بكل حياء، لقد استغرق دقائق لينظم أوراقه المبعثرة في محفظة مهترئة الطراز، شاب في مقتبل العمر، هذا ما أظهرته بطاقة هويته.
كنت أعتقد في البداية أنه أكبر من ذاك العمر بكثير؛ ترك الزمن تجاعيدا بارزة في وجهه البريء فبدا في الخمسينيات تكاد تخفي ملامحه الحقيقية؛ ماذا يصنع الزمن بهؤلاء؟ لماذا تختلف الفصول كل مرة لقد خدعوني فعلا قالوا إن الربيع روضة وجنان وسندس.. هل سخروا مني؟ قهقهت في نفسي.. فعلا لقد تأكدت أنهم استهتروا بي فمارس لم يعد كما كان.. لقد اختفى يا فتى!!.
رد الشاب: من اختفى سيدتي؟
أجبته بعد أن تلعثمت لا شيء.. ارني شهادتك.
سحبها من بين الوثائق ثم أضاف كلاما مبهما لم أفهمه: كنت في السجن سيدتي؛ أب لأربعة أبناء بطّال.
المكتب اللعين! محكوم عليك أن تقاوم ضعفك أمام هؤلاء، لاندري هل هم أبرياء أم مجرمون؟ يتحصلون على شهادات في السجن معترف بها في مكاتبنا. وعكس ذلك عند أرباب العمل يالها من معادلة عقيمة الجواب في وطننا!
جمعت قواي، لكنه أدرك ذهولي، انتظرت لاستفيق بعد وجومي كان يعلم ما يحدث في وطن لا يأبه لأمر هؤلاء.. ماعساي أن أفعل!
- سيدتي لي مكان آخر!
- أين؟.
- ساقبع في السجن مرة أخرى.