أيها الإنسان المتوسط.. وداعـًـا

أيها الإنسان المتوسط.. وداعـًـا

 د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد شاهين

هل يحتاج المرء إلى فص الحكمة ليكتشف أن العالم الآن تجتاحه ظروف كالأعاصير، تهز الثوابت وتعيد التوزيع .. تحاول أن تزعزع قداسة المقدس، وأن تخلع مسوح الاحترام والشرعية على ما اعتادت البشرية أن تنظر إليه على أنه يثير الازدراء والغثيان..؟

هذه الأعاصير الفظيعة تحيل الأبنية الفكرية والاجتماعية التي جاء بها الأنبياء ومضى عليها الشهداء، وجهات نظر، يمكن -عند مطلقى هذه الزوابع- مراجعتُها بل رفضُها إذا اقتضى الأمر ؟؟

وهل يحتاج المرء إلى فصّ الْحكمة، ليكتشف أن هذا مناخٌ تعثر الآراء فيه، وأن عثرةً واحدة في قرار تتخذه، أو اتفاق توقع عليه، قد تفسد أسرة، أو تسقط مؤسسة، أو تهلك أمةً، فيتحول بها التاريخ، وتتغير بها الجغرافيا والسياسة والفكر، والسلام والحرب، وتنبت في حياة الناس أشجار رهيبة طلْعُها كأنه رُءُوسُ “الشياطين”؟؟ وهل أحد يستطيع أن ينسى أن جرة قلم خطها “جورباتشوف” على ورقة “البُرُوسْترويْكا”، غيرتْ وجه العالم وأدخلت الشعوب في منظومات غريبة من العلاقات لا عهد لها بها وطرحت مفاهيم كالعولمة الاقتصادية والكونية الثقافية وغيرها وغيرها، من تلك الخرابيط التى سرقت الأمان من روح الإنسان ؟

ثم هل نحتاج نحن العرب إلى أن ننظر كثيراً حولنا لنخرج بهذه الحقائق؟ فإذا كنا قد خرجنا بها – وأرجو ألا أكون مخطئاً -، فهل نحتاج مرة أخرى، إلى فص الحكمة، لنكتشف أن “المعرفة” في هذا العالم، لم تعد مجرد خروج من عار الأمية والجهل، بل أصبحت سلطةً كبرى – أوشك أن أقول رهيبة – في يد كثير من الدول، تتخذ منها أداة لفرض السطوة والهيمنة، أو هي في الأقل أداة للحماية من السطوة والهيمنة – كما سنرى بعد قليل؟

إن قراءة واعية لكتاب مثل “فخ العولمة” أو كتاب “العرب وعصر المعلومات” – كلاهما من إصدارات “عالم المعرفة” في الكويت – تقفك على أن خرائط العالم الآن وغداً، تحدد أفكارَها، وترسم حدودَها، شركات عملاقة مندمجة، تهيمن على تكنولوجيا المعلومات، وهندسة المعرفة، وتطورها بسرعة لاهثة، بل مرعبةٍ، عبر التحكم في عتاد الكمبيوتر والبرمجيات التي لا تسمح لأحد حتى أصحاب الشركات أنفسهم، بالتقاط أنفاسهم .

مجمل الكلام –عزيزي القارئ- أن المعرفة الحقيقية هي مفتاح العالم العربي، وهي ” كلمة السر”، لا إلى كنوز “علي بابا” وجواهره فقط، بل إلى تأمينِ مَوضعٍ للحياة على هذا الكوكب الذي سيتضاعف استعاره بالمعرفة، حتى يَمُوتَ “بإسْفِكْسِيَـا” الجهْـل !

فماذا عسانا صانعين نحن العرب وحالنا التعليمية هي ما علمت، ومستقبلها هو ما الله به أعلم؟ إن الفجوة الحقيقية بيننا وبين المتقدمين، هي فجوة تعليمية معرفية بالدرجة الأولى، وهذا النوع من الفجوات، لا يسده شراء التكنولوجيا، ولا امتلاك الأموال، فبيننا من يملكون من الأموال ما لا تحصى مفاتحُه، والمشكلة هي هي، إذ لا حل إلا بتمكين الإنسان نفسه من مفاتيح المعرفة الحقيقية التي تبنى عليها الحضارة في علومها المتقدمة (وأخلاقها النظيفة)،أقول أخلاقها النظيفة ليحدث التوازن الذي يحفظ الحياة، حتى لا ننهض من غيابة العقل، لنسقط في غيبوبة الروح، وهى الكارثة التى حدثت في الغرب، فإذا ظلت الشعوب العربية تتعثر في مشكلات المنهج والمعلم والأهداف، وتتسقط المعرفة من مصادرها المتسخة، فلن تخرج من حالة الاستهلاك والضعف، إلا إلى حالة الاستجداء والإغماء والموت، ذلك أن قوانين الطبيعة، تقضِي بأنَّ النهرَ القوي، يحجز النهر الضعيف عن الجريان، فلا يصبح أمامه، إلا أن يتحول مع الزمن إلى مستنقع !

وأنا أعجب –عزيزي القارئ- كيف تبيت بعض القيادات والشعوب العربية آمنة في سربها، والأمور من حولها تطير، والمعلومات أصبحت شبكة تشبه الجهاز العصبي المفرط الحساسية، الذي ينتفض للهمس، فإذا نبضت في ركن من أركان الدنيا نابضة معلوماتية جديدة، فزع الكبار إلى أعتى أسلحتهم، مع أن الخطر ما يزال في حيز “المحتمل”، وذلك لأن عندهم اعتقادٌ جازمٌ، بأن “المحتملَ” وقتَ الفجر، يمكن أن يصبح “واقعاً” آخرَ النهار، وهنا، تقع كارثة عسكرية أو تجارية أو سياسية بلا حدود، ولعل القارئ العزيز يذكر أن أمريكا أصيبت عام 1982 ومعها أوربا، بحالة من “الذعر المعلوماتي”، عندما أعلنت اليابان عن “مخطط” لمشروع تطوير الجيل الخامس من الحاسبات الإلكترونية(!!!)، فأعلنت أمريكا حالة الطوارئ، واتخذت الأوضاع الدفاعية والخطط القومية، وانعقدت المؤتمرات ورُصدت ميزانياتُ البحث، لمواجهة هذا الحريق المعلوماتي الذي “يحتمل” أن يهب من الشرق، حين تبيع اليابان هذه الأنظمة لأعداء الغرب، أو توظفها هي ضد أعدائها التقليديين!

لعلك –عزيزي القارئ- ما تزال على ذكر، أن المعرفة المعاصرة ليست مجرد خروج من عار الأمية والتخلف، بل هي خروج من السؤال المسنون: نكون أو لا نكون؟

متى ننتبه نحن العرب فنفهم أن عصراً مختلفًااً إلى حدود الصدمة .. فظا ًإلى حدود الوحشية، أخذ يزحم أنوفنا باستعلاء غليظ، ثم يعلن في صراحة وقِحةٍ : أيها الإنسان المتوسط.. لك العزاءُ ألفَ مرَّةٍ.. وألفُ ألفِ مرة، وداع !!


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.