اللوحة: الفنان المصري شوقي زغلول
زهرة أم لثلاثة أولاد، تعمل في هيئة حكومية وزوجها ميسور الحال، كان يقضي يومه في مكتبه للاستشارات الهندسية فيذهب إليه في العاشرة صباحا ولا يعود إلى بيته إلا منتصف الليل، وكثيرا ما كان يضطره العمل للسفر إلى خارج البلاد فأهمل زوجته وأولاده وصار لا يعلم الكثير عن شئونهم الخاصة.
تفرغت زهرة لتربية أولادها وكانت صبورة فلم تظهر لهم يوما ضيقها من تحمل مسئولية تربيتهم ولم تشعرهم بتقصير والدهم وكانت تبرر انشغاله بظروف عمله ورغبته في توفير حياة كريمة لهم.. كبر الأولاد واعتادوا على غياب الأب، وصارت الأم وحدها نبع العطاء والحب، بينما كانت أحاديثهم مع والدهم في المرات القليلة التي يلتقون به جافة خالية من المشاعر.
تخطت زهرة الأربعين من عمرها والتحق اثنان من أبناءها بالجامعة، بينما كان الثالث في المرحلة الثانوية، وكانت فخورة بتفوقهم وشعرت أن الله يكافئها على صبرها.. كانت تفتقد الدفء والاحتواء العاطفي ليس فقط لغياب زوجها فترات طويلة، لكنه أيضا لأنه كان عنيفا في تصرفاته ولا تعرف مفردات حديثه الود، نادرا لو تذكر مناسبة تذيب جبل الجليد بينهما، ينسى أعياد ميلاد الأبناء وعندما تذكره زوجته كان يسخر منها ويصفها بـالتافهة.
كانت زهرة تقضي الليل وحيدة، تتقلب على جمر الشوق والحنين إلى لمسة دفء تبدد برودة الأحاسيس فلا تجد من يؤنس وحدتها، في كل ليلة تمر في مخيلتها ذكريات العمر.. كانت الأجمل بين شقيقاتها الأربع، لم تعش حب المراهقة مثل فتيات الجيران وزميلات الدراسة، وبعد رفض أكثر من شاب قبلت الزواج من مهندس ورث عن والده مكتبا للمقاولات والاستشارات الهندسية فقد كانت ترغب في حياة مريحة، مرت الأعوام وأدركت أن المال وحده لا يكفي لراحة البال.
رفضت زهرة محاولات زوجها لإقناعها بالاستقالة من عملها بدعوى عدم حاجته لراتبها ورغبته في تفرغها للمنزل وتربية الأبناء، كانت تقاوم هذه الضغوط بتأكيدها على أنها تؤدي واجباتها دون تقصير، كما كانت ترى في العمل متنفسا من رتابة الحياة، فضلا عن رغبتها في إثبات وجودها بعد تضخم الذات الذي أصاب زوجها لنجاحه اللافت في عمله.
كانت محبوبة في عملها وتحظى بتقدير كافة رؤسائها لاجتهادها، كما كانت محط أنظار واهتمام زملائها لجمالها وعذوبة حديثها وقدرتها على الإقناع، كانت سعيدة بحب المحيطين بها لكن كان أكثر ما يحيرها نظرات زميلها رأفت المعروف بدماثة الخلق والذي كان نادرا ما يشاركها وبقية الزملاء الحديث في أي موضوع بعيدا عن أجواء العمل، كان صامتا في أغلب الأوقات ويهرب عندما تتلاقي عيونهما، وعلى الرغم من رغبة كثير من زملائها الرجال في التودد إليها واختلاق الأعذار للحديث معها فإنها كانت تتمنى أن يتحدث معها رأفت الذي يعيش في عزلة محاطة بسياج من السرية.
بعد ضغوط شديدة من مدير العمل وافق رأفت أن يحضر حفل زفاف ابنته، وجاء وحيدا، وشاء القدر أن يجلس على نفس الطاولة بجوار زهرة التي انتظرت أن يتحدث إليها لكنه كان كعادته يرمقها بنظرات صامتة، ثم بادرته بسؤال عن أسباب عدم اصطحاب زوجته فأخبرها بأنها مريضة.. قبل انتهاء العرس انصرف بعد عبارات اعتذار مقتضبة، شعرت بأنه يتهرب منها وأنه يقاوم الإحساس ذاته الذي اخترق أعماقها.
عزمت أن تخمد البركان الذي يشتعل في ثنايا قلبها حفاظا على كرامتها وكبريائها، كانت تتعمد عدم مواجهته وترد عليه بكلمات معدودة، شعر بتغير موقفها نحوه فأصابه حزن شديد لكنه آثر هو الآخر أن يكبت مشاعره.. لم يتحمل الضغط النفسي الكبير فسقط مغشيا عليه في العمل إثر ضيق في التنفس ونقل للمستشفى وأصرت زهرة أن ترافقه في سيارة الإسعاف، وبعد فحص حالته أوصى الأطباء بنقله إلى العناية المركزة وبإجراء توسعة في الشرايين وتركيب دعامات للقلب نظرا لخطورة حالته، ووسط حشد من زملاء رأفت ظهرت سيدة فائقة الجمال ترتدي ملابس أنيقة وتفوح منها رائحة عطر من أغلى الأنواع، ومن خلال حديثها مع أحد الأطباء عرفت زهرة أنها زوجة رأفت، وبأسلوب متعجرف طالبت بتجهيز سيارة طبية متخصصة لنقل زوجها لمستشفى أفضل على الرغم من تأكيد الطبيب المعالج أن المريض يلقى رعاية فائقة واهتمام كبير.
طالب الطبيب كافة الحاضرين بالانصراف والحضور في اليوم التالي لمن يرغب في زيارة رأفت لأن حالته لن تسمح بزيارته اليوم، كانت زوجته أول المنصرفين بوجه عابس دون أن توجه كلمة شكر لأي من زملائه، وفي طريق عودتها للمنزل ظلت زهرة تفكر في ادعاء رأفت مرض زوجته وبأنه كان سببا في عدم حضورها برفقته في حفل الزفاف فتوقعت وجود خلافات بينهما.
مع بزوغ الفجر كانت زهرة أول من وقف على باب العناية المركزة في انتظار خروج رأفت، ثم وصلت زوجته وألقت عليها السلام ببرود، عرفتها بنفسها لكنها لم تكترث كثيرا بحديثها، وقبل أن تطمئن على زوجها بدأت في توجيه سهام اللوم له على عدم التزامه بتعليمات الأطباء بتجنب الإنفعال، واتهمته بالإهمال في صحته منذ أعوام بعد معاناته من متاعب في القلب.
انقضت فترة العلاج وأجرى رأفت تركيب الدعامات وتحسنت صحته، وتخلى عن خجله وصمته وكان أول ما فكر فيه طلب مقابلة زهرة بعيدا عن العمل ليفهم موقفها المتناقض، حيث كانت أول من كان بجواره في أزمته الصحية على رغم بعدها عنه قبل تعبه بأيام.
سيطرت المشاعر الفياضة والدموع على أول مواجهة بينهما، اعترف كل منهما للآخر بحبه والتمسا الأعذار لبعضهما عن الصمت في بعض الأوقات لطبيعة حياتهما وظروفهما الخاصة، وكشف رأفت عن أنه يعيش حياة بائسة مع زوجة مغرورة متسلطة تفتقد الحنان والمشاعر وتحسب كل خطواتها بلغة الأرقام والحسابات ولولا إنجابه طفلين منها لانفصل عنها منذ عدة أعوام، وأنه تزوجها إرضاء لوالدته صديقة والدتها التي كانت ترى في زواجه منها فرصة ثمينة لثراء أسرتها، ومع الوقت اكتشف أنها فظة غليظة القلب فكان يتجنب الصدام معها حتى لا يتأثر نجليه بالخلافات، وأنه كلما اتخذ قرار الانفصال تراجع خشية أن يتركهما لأم لا تعرف الرحمة في التعامل حتى مع المقربين منها.
حكت له زهرة تجربتها الصعبة وأن تفاصيل حياتها لا تختلف عنه وأنها كانت تشعر نحوه بإحساس جارف، فقال أنه كان إحساسه ذاته وكان يتراجع كلما يقرر الحديث معها خشية أن تسيء ظنه، ثم تيقن من محبتها في ظروف مرضه.
تعددت اللقاءات وتعمق الحب في قلبيهما، وعزما أن يفكرا في إيجاد حلول للظروف القاسية التي تحاصرهما من أجل أن تجمعهما الحياة للأبد، وأكد رأفت أنه مستعد أن يغير حياته من أجل حب العمر الذي قد لا يتكرر، وأكدت زهرة أن تضحيتها ستكون كبيرة لكن الحب الذي سكن قلبها يستحق هذه التضحية.
وذات مساء عادت زهرة إلى منزلها سعيدة بعد أن أهداها رأفت باقة من الورود فتفاجئت بعودة زوجها من الخارج، كان في حالة غضب وسألها عن أسباب خروجها حتى ساعة متأخرة، تعجبت من حديثه وتساءلت منذ متى تهتم بوجودي أو غيابي عن البيت؟.. احتد في حديثه وطالبها بأن تهتم بأبناءها، ردت بصوت عال «هل تعرف مراحلهم الدراسية، هل ذهبت مرة لمدارسهم، أو التقيت بأحد من مدرسيهم، لم اشتك يوما ولن أفعلها لأني أؤدي واجبي دون تكليف أو توجيه لقناعتي بأنني إن لم أرع أولادي سيضيعون، أنت توهمت أن حبك لهم يتلخص في توفير المال، وأغفلت جوانب نفسية لا تقدر بثمن، حرمتهم من دور الأب في حياتهم، والآن تلومني وتعطيني دروسا في كيفية رعايتهم، وعن عمد أو جهل تغفل أنك دمرت أنوثتي وأحاسيسي ومشاعري وحولتني إلى ما يشبه ترس بماكينة».
ترك الزوج المنزل وقضت زهرة ليلتها وسط دموعها التي بللت «الورودالتي أهداها إليها رأفت، وبعد عشرات الاتصالات على هاتفها ردت على حبيبها بصعوبة وأخبرته بأن هناك خلافا مع زوجها وعندما ينتهي سوف تتصل به.
عاشت زهرة ليال صعبة، جافى النوم عينيها، كان لابد أن تحسم موقفها، فالحب الذي كانت تحلم به يطرق قلبها، والبيت الذي شيدت دعائمه يتصدع، وبينما كانت غارقة في أحزانها استفاقت على صراخ ابنها الأصغر، هرولت نحو غرفته، وجدته يتألم من الوجع، نقلته سريعا إلى المستشفى، وبعد أن خضع لفحوصات أخبرها الأطباء بأنه مصاب بورم في المعدة ويحتاج إلى جراحة عاجلة، سقطت مغشيا عليها وما أن استفاقت سمعت زوجها يؤكد للأطباء أنه سيعالج ابنه بالخارج، أصرت أن ترافقه خلال رحلة العلاج، بدأ الأب في تجهيز كافة الأوراق لكن خلال أيام ساءت حالة المريض ولفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي أمه.
انزوت زهرة بعيدا عن كل من حولها رفضت الحديث أو تناول الطعام، أصيبت باكتئاب، هزمها الشعور بالذنب بأنها فكرت في نفسها باختطاف لحظات من عمرها بعيدا عن تركة الهموم التي أثقل الزمن بها كاهلها.
في تلك الأثناء حاول رافت الاطمئنان عليها لكن محاولاته بالوصول إليها باءت بالفشل، وبعد نحو شهر بدأت في التماسك وطلبت لقائه، قبل الميعاد كان في انتظارها، تحدثت بصعوبة وكانت شاحبة مهمومة يعتصرها الألم، أكدت أنها لو كان بيدها قرار استكمال مشوارها في الحياة لاختارته ليكون رفيقها لكن رحيل ابنها قتل الفرحة بقلبها ولن تستطيع أن تعطيه أية مشاعر وأحاسيس إضافة لرغبتها في التفرغ لمراعاة ابنيها، وطالبته بأن ينساها، تفاجأت بصمت رأفت والدموع تغرق عينيه، انصرفت وبداخلها أسئلة حائرة عن استسلامه وعدم مقاومة رغبتها في البعد.
عاد رأفت لمنزله واحتضن نجليه بقوة ثم بدأ في تجهيز ملف بكافة التقارير والأشعة الطبية فقد كان على موعد في الصباح مع طبيب القلب الذي نصحه بضرورة إجراء جراحة عاجلة بعد تردي حالته في الفترة الأخيرة، وكان ينتظر لقاء زهرة ليصافحها قبل الفراق.