الرؤى المكثفة في ديوان بؤس الورد لصادق أمين

الرؤى المكثفة في ديوان بؤس الورد لصادق أمين

محمود عبد الصمد زكريا

هل يمكن للشاعر أن يلخص محمول تجربته الفنية في كل شامل بمقطع شعري واحد يضمنه إحدى قصائده؟ أعتقد أن صادق أمين قد فعل.. سواء وعى ذلك أو لم يعيه في هذا المقطع من قصيدة (من أغاني النفي والزقزقة) والذي يقول فيه:

إسكنرية وانتي حالتين يشبهوني

حاجه من شعري وحاجه من جنوني

أما صحابي في قلبي قهاوي فاتحة

حتى في الوقت اللي موشوم بالغياب

سلم بيبدأ بيه غنايه وينتهي

كأنه كونشترو العذاب.

هكذا تكون اسكندرية والحبيبة والأصحاب هم جل محمول تجربة شاعرنا التي يتقاسمها الشعر والجنون.. وبالطبع ليس الجنون هنا ذهاب العقل ولكن ما يخفيه أو يخبئه أو يستره الشاعر طي خطابه الشعري فالشاعر المبدع بحق هو الذي يقول ويخبئ فيما يقول.

 أو لنقل هم مركز ثقل هذه التجربة وبؤرتها.. كما فعل ذلك من قبل حين لخص الحالة وكثفها في كُلٍّ شامل ومُقطَّرْ في قوله الشهير:

متزعليش يا سوسنة 

كل اللي ضاع منك سنة 

أما اللي ضاع مني: أنا.

نعم.. إن ذات الشاعر هي النواة التي تدور حولها كل مركبات تجاربه التي تشكل في مجملها مشروعه الفني.. حيث إن المحرَّض القوي لعملية الإبداع ينطلق من الحاجات الاجتماعية متطابقة مع الحاجات الشخصية.

في ضي كل ده

أنا متهم

مع إني في عيونكم صحابي 

أنا برئ

غرقان في روحي الشعر

وباموت بالبطئ.

المتابع لمشروع صادق أمين منذ بدايته في النصف الثاني من ثمانينات القرن المنصرم حينما كانت القصيدة العامية الجديدة تعافر لكي تشرأب بقامتها وسط زخم كثيف من الزجل المكرور والمجتر وحتى الآن لابد أن يلمس بما لا يدع أي مجال للشك أن تجربته الشعرية ذات أبعاد إنسانية جادة جداً ومتحدية ومقتحمة، لذا فهي تحقق وجوداً واعياً وأكثر إدراكاً عاطفياً حسيّاً.. وفكرياً ذهنياً على حدٍ سواء،

بمعنى أن كل قصيدة صغرت أو كبرت إنما تحقق دفقة من المشاعر والرؤى المكثفة تؤكد معاناة هذا الشاعر الإنسان من مروره في طوايا الحالة الإنسانية الجائشة دائماً والتي تلهب فيه الإحساس بالألم أو الغضب أو اللذة أو الفرح:

عند اللزوم 

الحزن مش عكاز

وحدي اللي ساند ع الندم

ولو انه حيط منهار 

الضحك مش لبن عصفور

أقدر اجيبه لو تطلب الأيام

ولا حلمي حتى خيل

لما اركبه ح اوصل

لما انتو مش حاسين 

بالورد ليه

خليتو روحي زي الجنايني العجوز

عمال بيزرع 

ويحلو الشجر

وتحته بؤس الورد. ( ظهر الغلاف )

يا له من استفهام استنكاري بمثابة لطمة على وجه الآخرين حتى ولو كانوا الصحاب. 

.. فالقصيدة عنده تزهو بدفوعها الفكرية والحسية العاطفية المتواترة، وهو ما يجعل قارئه يدرك من قراءته له أنه بين يدي شاعر يتعاطى حياته تعاطياً عميقاً جداً وجاداً للغاية.

والأهم من ذلك أن صادق أمين إنما يستقي تجربته من الداخل دون أن يبدو ككثيرين جداً غيره يكرر تجارب ماضيه سواءً له نفسه أو لغيره من الشعراء، ولا يعني ذلك أنه مُنبت عن تاريخيته أو عن تراثه فإ أي إبداع لا ينتج من ذوات معزولة عن سياق التمثلات المبدعة لمعارف المعاصرين والأقدمين، لكنه يعني الرغبة في التفرَّد والإضافة والتطور..

 لذا فهو شاعر متجدد الطزاجة.. وكأنه في جهاد واعٍ ودائم لخلق خطاب جديد، ابتكار صور ورموز وإشارات يحاول أن يجد لها بين الناس فهماً وتداولاً – رغم غرابتها الأولى ودهشتها -..

فيه ساعات احتاج لحضن

ألقى السما غايمه

حبيبتي اللي كانت 

واللي جت دلوقت تشببها

في عيونها بصة ملاك ولا شيطان

ح يوزني أسكر

في البار مفيش منتصر 

ومفيش كمان مهزوم

بين الجنون والخمر خيط رفيع قوي 

خيط أنا بامسكه 

لما اتلطش وأقوم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.