الشعر.. كان وما زال ديوانَ العرب

الشعر.. كان وما زال ديوانَ العرب

أحمد نناوي

اللوحة: الفنان السوري خالد الساعي

 لا أفضلية لشيءٍ على شيءٍ إلا بقدرِ نفعهِ واستيفائهِ الغرض وإمكانية تداولهِ والتفاعل معه، وعلى قدر أهمية هذا الشيء تكون أهمية من يجيد استخدامه؛ كذلك الإبداع أيضًا ليس لأحد أشكالهِ الأفضلية على آخر إلا بقدر مضمونهِ وبراعة الإقناع وصدق التجربة وعمق معناه، والكيفية التي اعتمد عليها دون الشعور بالتكلف والسطحية أو الغموض الذي قد يطغى على عمق المعنى.

غير أن الشِّعر العمودي ــ أحد أهم وأقدم ألوان الإبداع ــ له حق الاستثناء من القاعدة في أمرين لا يتوفران في غيرهِ، ولا يمكن أن يتميز بهما سواه، وليس ذلك دليل تفوقهِ أو قصور غيرهِ، وإنما دليل احتفاظهِ بخصوصيتهِ وقدرته على البقاء، دون أن يُنكِرَ خصوصية الآخر:
الأمر الأول: كونه إرثًا عربيًّا خالصًا، يحتل الصدارة في تاريخ العرب، ومقولة “الشعر ديوان العرب” لم يكن مقصودًا بها سوى الشِّعر العمودي.

هذه المقولة التي عاشت إلى يومنا هذا وعمرها يزيد على خمسة عشر قرنًا، كانت تعبيرًا صادقًا عن أهمية الشعر؛ كونه المصدر الوحيد الذي يمكن الرجوع إليه والاستشهاد به؛ ولذلك كانت الدعوة إلى تدوينه والاحتفاظ به حتى بعد ظهور الإسلام، لما به من حكم وقيم وعادات ومآثر لا غنى عنها في زمان أو مكان، أضف إلى ذلك قوة التأثير.

ورغم شهرة العربي بفصاحته وطلاقة لسانه؛ ما يؤكد أن النثر كان له شأن كبير أيضًا وما زال يحظى بهذا الشأن؛ ولكن يظل الشِّعر هو الدليل القاطع على هذه الفصاحة، وأن القرآن الكريم حين نزل معجزة بيانية لا تضاهيها معجزة، كان الشِّعر هو المعنيُّ الأول من هذا الإعجاز، ليبرهن على قوة ومكانة الشِّعر في التأثير، وأن النص البياني الوحيد الذي يفوقه هو القرآن الكريم، وبذلك يكون القرآن حجة لا تقبل التشكيك في نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام.
الأمر الثاني: سهولة حفظهِ والاستشهاد به في أي وقت وقدرته على التكثيف؛ بحيث يمثل البيت وحدة مستقلة سهلة التداول.

ولعل ذلك هو السبب الذي جعل ما وَصَلنا من الشِّعر أكثر بكثير مما وصلنا من النثر الفني، ولكن ما يميز الشِّعر أكثر هو كونه سُلَّمًا لا يصعده إلا ذو موهبة ممتلك لأدواته مثقل بصدق التجربة، وهو ما أوجزه الشاعر العربي “الحطيئة” في قوله:

فَالشِعرُ صَعبٌ وَطَويـلٌ سُلَّمُه .. إِذا اِرتَقى فيهِ الَّذي لا يَعلَمُه

زَلَّت بِهِ إِلى الحَضيضِ قَدَمُه .. وَالشِعرُ لا يَسطَيعُهُ مَن يَظلِمُه

ومنزلة الشاعر من منزلة الشِّعر؛ فإذا ضربنا مثلًا بالمتنبي الذي لُقِّبَ بشيخ شعراء العربية، تعود هذه المنزلة التي حظي بها؛ لاستطاعتهِ صياغة الحكمة والقول المأثور شعرًا وخروجه عن المألوف، ولكن في إطار منهجي محكم هو القصيدة العمودية.

 وأتساءل أحيانًا: أليست قصيدة التفعيلة استنساخًا من القصيدة العمودية؟! وهي وحدة موسيقية متجاورة ومتماسكة ربما أعطت للشاعر الحرية في السرد وربما كانت تقريرية زائدة لا حاجة للشعر بها، خاصة أننا متفقون أن الشعر سيد التكثيف، واللغة المكثفة هي التي لا تقبل الزيادة أو النقصان، وهو ما تحققه وحدة البيت الشعري، والأمر يرجع إلى مدى امتلاك الشاعر أدواته وموهبته في صياغة البيت.

   وإذا تطرقنا للحديث عن قصيدة النثر، فلا يمكن القول إلا أنها لون أدبي قائم بذاته ولا يمكن فصله عن دائرة الإبداع، ولكن الإشكالية إشكالية المصطلح نفسه، ومحاولة إقحام النثر بالشعر! وتناقض المصطلح واضح وضوح الشمس للرائي بين كلمة قصيدة وكلمة نثر!

   وفصل القول هو: إن الإبداع ليس حكرًا على شكلٍ من الأشكال، ولا يمكن حصره في إطار، ولكن الاعتقاد بأن الشعر في إطاره العمودي لا يواكب الحداثة وما بعدها اعتقاد خاطئ قلبًا وقالبًا، وربما الأمر ليس من قبيل الاعتقاد، إنما محاولة لهدم كيانٍ عريقٍ كان وما زال وسيظل ديوان العرب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.