فرصة أخيرة

فرصة أخيرة

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان الألماني كاسبار ديفيد فريدريش

نظر إليه، خص وجهه المسحوب المغلق أمامه والمحايد، بوابل من النظرات المتلاحقة، يبحث عن بارقة أمل، تقول له إنه الفاعل، لا يريد تصديق تل الورق الذي أمامه، والمكتوب بمداد لم يجف بعد، كل ورقة تمنحه قناعة أنه هو ولا أحد سواه من تجرأ وقتل البقال.

يجلس أمامه في هدوء، يرتشف شاياً طلبه له، وسيجارة ينفخ دخانها، نالها من العسكري، تسكن بين إصبعين، لا أثر لرعشة فيهما. يتابعه المحقق، مفكراً في وسيلة تتيح له اختراق الرأس الساكن، ليعرف ما فيه. من أين لي بمثل هذه المعجزة؟ قالها وطلب من العسكري سحب المتهم، وبعدها توجه إلى استراحته؟ ليتمدد على الكنبة، ويكمل قراءة رواية كان قد بدأ بتصفحها. أين وقفت؟ نعم.. أين وصلت؟، يفر الورق، ويقلب فلما أعياه البحث، فتح ورقة وراح يقرأ، لحظات وشعر بالإرهاق، قام، عرض رأسه للماء البارد، ثم خرج، ليكمل ما بدأ.

وجده في انتظاره، يجلس على كنبة صغيرة ـ في الطرقة ـ لا تتسع إلا لاثنين، نظر إليه، ودخل المكتب، وبعد أن استراح، طلبه، فدخل، وقبل أن يتكلم بادره المتهم قائلا:

ـ عاوز تعرف مين القاتل؟

نظر إليه، وتمتم: بالسهولة دي.

وانداحت بداخله موجة من الفرح، كونه سيعود إلى حجرته بأسرع مما توقع. لكن صاحب الوجه المسحوب، وقف وقال:

ـ تيجي معاي وأنا أدلك عليه.

تململ المحقق على كرسيه، وأراح يده على الملف، والكلمات التي قالها القاتل، كالنحلة تطن، لها وقع ضربات الرصاص. البصمات بصماته، حقيقة أكدها المعمل الجنائي، وشهود العيان، بقولهم إنه هو. أما الذين شاهدوا البقال، قالوا إنه تلقي أربع طلقات من بندقية كانت بحوزته، أربع رصاصات في صدره العريض: رصاصتان اخترقتا الجسد، واثنتان سكنتا (واحدة في الرئة، والثانية في البطن).

ذهب وعاين الجثة، وجد شمس الشتاء الواهنة تغسل نصف الجسد العلوي، مال بصدره على بنك الدكان، رأى خطوط الدم تنساب على ظهر البقال، مكونة بقعة من الدماء، تجاورها بقعة أخري تجمدت، واكتسبت لونا غامقا، تركها، وتراجع حتى يقوم المصور بعمله، ويلتقط عدة صور للجسد الساكن في أوضاع مختلفة. ومنح وجهه للقاتل ، فحصه بنظرة غيظ، مبعثها قسوة قلبه والتي بدت له ظاهره في جسد البقال، الكل أجمع أنه هو، وها هو ينكر.

ـ ومين القاتل؟

من دون أن يرفع عينيه، يقول:

ـ تعال، وهناك هتعرف.

ـ مصر!!

أومأ له، ورفع رأسه ونظر إليه نظرات الثابت على ما قال.     ـ أنا مقتلتهوش.

قاسه بنظراته، فوجد الإصرار معششاً بوضوح في عينين غاب البياض عنهما بفعل عروق خفيفة دموية اللون، تركه وتحرك، منح عينيه للشارع الظاهر له من شرفة مكتبه، وجد أنه من السهل تصديق رتل الورق، وأقوال الشهود، وأن يطرد حياد وجهه جانبا، ما دام الورق مستوفياً وكاملاً، ولا غبار عليه، فالقرار، قرار إحالة إلى المحكمة، كلمات قليلة يمليها على الكاتب، وبعدها يوقع، وينتهي الأمر.

الفكرة أفزعته، جعلته يستدير، ويقول هامساً. ما الضرر في المشي وراء ما يقول، أليس من حقه الدفع بمبرراته، فكم من متهمين جلسوا أمامي، والأوراق المدبجة جيدا، تقول إنهم هم، وبعد تدقيق تبين أنهم خارج لعبة ما خلقت لنفسها قوانينها. أوقف التفكير، وهدأ من توتر كاد أن يرسخ لنفسه، ويحتل موقعاً بارزاً، جعله يفك رابطة العنق، ويقرر اقتناص الفرصة، فرصة يمكن ألا تتكرر مرة أخرى. وقت قصير لن يغير في الأمر شيئا بالنسبة له، أما هو المتعلق بقشة، فالحياة بالنسبة له جملة جالت في نفسه، بعدها تحرك، وقال:

ـ هنشوف.

انزلقت السيارة بهم، تقطع طريقاً يؤدي إلى البلدة، فلما وصلتها، كانت توجيهات القاتل، تدفع بالسيارة إلى طرق وعرة، تنزل، وتهبط، وهو صامت، معرضا وجهه للمحقق، يجلده بنظراته المملوءة بالريبة، ومن عينيه تضخم المقت، والشوارع لا تنتهي، وكأنهم داخل متاهة، متصلة لا سبيل للخروج منها إلا بالعودة من نفس الطريق المقطوع. وفكر. من الأفضل إيقاف السيارة، وسؤاله أبقي الكثير؟ دون أن يحرك القاتل رمشًا أو يستفهم عن سبب الوقوف المفاجئ، قال:

ـ ما قاعد إلا القليل.

غضب المحقق لترك القاتل الأمر مفتوحاً، على كل الاحتمالات. ما باليد حيلة. همس بها، ومنح السائق إذنا بالمضي إلى نفس الوجهة التي يصفها.

أصبح بإمكانه، رؤية الأرض السوداء وهي تتواري، وغول اللون الأصفر يهجم بشراسة، والبيوت المشيدة من الأسمنت تقل، وتبدو نادرة بين صفوف البيوت المشيدة من نفس الرمال، صفراء، وشاحبة كوجه القاتل، وهو يغرز عينيه في الأفق البعيد.. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.