اللوحة: الفنان المصري عمر الفيومي
أتعبتني كثيرًا يا سيدتي، وأقسم أنك فعلت ما لم تفعله امرأة من قبل، كنت أحدّثها وأتصنّع تجهّمًا كقناع أضعه على وجهي و أخفي وراءه عيني ،فأنا أعلم أنها ماهرة في قراءة العيون، وأدرك جيدًا أنها ساحرة في قراءة الغيب المنطمر بداخلي، لكنها اقتحمت حصوني بسهولة قائد تداعت امامه مدينة قديمة بأسوارها الحجرية، رمقتني وقالت: تقرأ لمن من الشعراء؟
الجمتني مفاجأة السؤال، فقد توّهمت أنها ستجاريني في حديثي، لكنها أخذتني لبعيد، سكتُّ برهة، تدبّرت السؤال وما يختفي تحته وخلفه، فلمّا فشلت في سبر أغواره قلت: أحب نزار وجنونه وبساطته، أمل دنقل، في عالمه الخاص به، و.. فقطبت جبينها وقالت: بس بس، أقصد من الشعراء الجُدد، فذكرت لها أني متيّم بأميرة الكلمة، بشعرها بالفصحى و”كيرزاتها” التي تصيغها بأناملها… لكنها قاطعتني كقطة أليفة، على رغم علمي أنها تكره القطط حد الفزع، قالت: أنا أقرأ ل “أحمد بخيت” أحفظ بعض قصائده من شدة حبّي لها، بخاصة “الليالي الأربع”، سمعت عنها؟ ثم راحت تترنّم ببعض أبياتها:
إذا أنا تبُتُ
عن شِعْري
ولم أتقبَّلِ المِنَّةْ
فَمَنْ سيسبِّحُ الرحمنَ
بالأشعارِ
في الجَنَّةْ!
وكيفَ أتوبُ
والعصفورُ
لم يُفطَمْ
عن الشجرِ؟
ولم يحفَظْ كتابُ الليلِ
غيرَ قصائدِ القمرِ؟
ولمّا توقفت لالتقاط أنفاسها، جذبت بغضب بعض أحجار أبياتها التي تشدو بها، لمّا رأت إعراضي، فتوقفت وأسبلت عينيها قائلة، سألتك ولم تجب فأردت أن تُحب ما أهوى. ثم بطفولية مراهقة: ها “إيه رأيك”؟
لم أطق الكلام فهززت رأسي بالنفي، ثم أجبتها بعد أن عجزت عن اخفاء بعض غيرة أخذت بخناقي: دنيا السرد لا تترك ليّ فراغًا لقراءة الشعر، فهؤلاء يملكون حياكة أبياتهم بمهارة أحسدهم عليها، لذا أعلنتهم عندما التقيتهم على ناصية من نواصي الشعر أن: لكم دينكم وليّ ديني.