قفص الإنسان

قفص الإنسان

محمود الغنام

اللوحة: الفنان العراقي ناصر حجي

ضاع في زحام المدينة الصاخبة التي لا تلتفت لمعاناة أحد.. لم يكن يجد ملاذاً يلتقط فيه أنفاسه إلا حديقة الحيوان، المكان الوحيد في مدينة النحل الذي يستطيع أن يستجمع فيه روحه.. ويعيش بالقرب من حيوانات يعرف معظمها ويتآلف معها مذ كان صغيراً.. العنزات التي تجذب الأطفال كان عمله اليومي أن يجلب لها الطعام بين بيته وحقله.. الفئران خبرها جيداً في غرفته الطينية الدافئة شتاء.. العصافير والبط والإوز كانت تعيش معه وربما كانت تشاركه فراشه!

لكن ما أقلها حيوانات الحديقة.. لقد أوشكت أن تصبح مكاناً مهجوراً بعد أن نفق معظم الحيوانات من الإهمال الذي يعرفه، ويوشك أن ينفق هو نفسه بسببه؛ القرد يبدو الحزن على وجهه تماماً كوجهه.. الظباء تتوسل إلى الزوار عوداً أخضر من شدة الجوع تماماً كحاله.. التمساح قابع على صخرته يشكو للأيام همه.. الفارق الوحيد بين حيوانات الحديقة وبينه أنها كلها لها مأوى تبيت فيه ومشرفون يهتمون لطعامها وشرابها، لكنه محروم معدم شريد.

يحاول التلهي عن مأساته بتأمل حيوانات الحديقة الحزينة، لم يعد يرغب في زيارة الأسد والنمر أو تأمل الحصان والفيل.. الحيوانات يزيده حزنها حزناً.. والحديقة خاوية.. نعم خاوية، العشرات من الأقفاص والحجرات فارغة، لا سكان، في حين أنه لا يجد حجرة ضيقة يسكنها وتجمع أشلاءه من الطرقات والمساجد.. مساكن كاملة لا يوجد بها حيوان واحد، وهو الموجود على الحقيقة لكن دون مسكن!

لم تكن الفكرة منطقية لأي أحد.. لكنها كانت مقنعة له بما يكفي، ربما إذا حكاها لأحد لن يصدقه، ولكنها حدثت معه بالفعل، لأنه الفعل لا الحكاية!

ولذا بعد أن تردد أياماً اتخذ القرار.. بحث في الحجرات الفارغة عن أفضل المواصفات، ثم في غفلة من المتابعين والمارة تسلق الحاجز الحديدي وقفز.. ومع قفزته شعر بأن شيئاً ما يحتضنه، شعر بأنه وجد بيتاً يؤويه.. شعر بالدفء لأول مرة.. شتان ما بين أن تكون خارج الحديد وأن تكون داخله!

في الفترة الأخيرة لم يعد يلقي بالاً لأي شيء.. العوز الذي يحياه بلغ قمته فتضاءل أمامه كل شيء! كان قديماً يحذر أن يخرج إلى الشارع دون غطاء الرأس هو الآن يجوب الشوارع حافياً.. كان لا يدخل جوفه طعام دون مشاركة قريب أو فقير أو مارّ.. هو الآن لا يجد اللقمة والطعام معروض في الشارع ولم يملك المال.. بدأ الأمر بأن تشعث رأسه، فقد مشط شعره أول ما فقد، تغيرت رائحته الطيبة ثانياً، ثم فقد نظافة ياقة ردائه، قبل أن يتقبل الفتق في موضع ثم مواضع منه، صبغته العاصمة المغبرة بطبقة من التراب تزداد يوما بعد يوم فلم يعد يغتسل!

جعل يكوّم الروث في جانب واحد من الحجرة الضيقة التي اختارها مأوى له، كان سعيداً ويعمل بحماس صرفه عن الانتباه ليديه وهما تغوصان في القذارة.. مؤخراً لم تعد القذارة بنفس معناها! أصبح يمسح مخاطه بكمه، ويترك لعابه يسيل على لحيته التي لم يعد يهتم بتقصيرها وتهذيبها كما كان يفعل.

بعد أن انتهى من تنظيف حجرته تأملها بنظرة سريعة، ثم ابتسم حتى برز صف أسانه العلوي، وخرج صوت خوار من أنفه مع ضحكته التي اهتز لها جسده وتطاير لها اللعاب من فمه.

وضع يديه على خصره وضغط فاعتدل واقفاً، بعد أن نحل جسمه أصبح ظهره متقوساً للأمام، ومن طول السير أصبح يدفع جسده إلى الأمام دفعاً وهو يسير حتى أصبحت عادة.

كان في الحجرة باب ضيق لا يسعه الخروج منه قائماً، ولكنه لم يشغل باله بالخروج، جمّع بعض الحشائش الجافة ووضعها تحت رأسه ونام.

في الصباح أيقظه صياح الأطفال وضجيج الزوار.. فرك عينيه بيديه المتسختين، كان يبرز القذى من جانبي حدقتيه، وقد انتفخت عيناه بعد نوم افتقده طويلاً، نظر من الباب الضيق فرأى طفلاً في مقابله يحمل حزمة من الخس، ألقى إليه الطفل عودا فالتقطه وأكله، فألقى إليه آخر فالتقطه بمهارة، حين وجد ضوءاً آنياً على يده عرف أنها كاميرا تلتقط يده التي تظهر وحدها من الباب الضيق، تعوّد أن يرى وميض الكاميرات وهو نائم بالعراء في ليالي الشتاء!

عدّ اليوم الأفضل له، حيث شبع كما لم يشبع منذ زمن، الخس والذرة وبعض قطع البسكويت وشرائح البطاطس كلها أطعمة لم يتذوقها منذ زمن، يعرفها لكنه لم يأكلها مجتمعة من قبل! كان دوماً مضطرا لاختيار شيء واحد في كل وجبة نادراً ما تسمح بها ظروفه.

مرّ اليوم الأول ولم يهتم بأن أحداً لم يشغل باله به، لم يسأل عنه مفتش ولا متابع ولا حارس! ولكن حتى لو وجدوه، وطردوه؛ فالأرض واسعة! لم ترغمه جودة الغرفة وما تتيحه له من مميزات على التمسك بها، لم يعد يتشبث بشيء أو يخاف شيئا.. الكل سواء والدنيا غالبة عليه في كل الأحوال.

ومع اليوم الثاني استيقظ بنفسه في نفس موعد أمس، نظر من الباب فوجد الزوار من أطفال وكبار يتوافدون، ابتسم، وبدأ يشير للمارة يستجلب اهتمامهم، اطمأنّ حين لمح طفلاً يهز يد والده ويشير بإصبعه الصغير نحوه، اقتربت الأسرة منه، ألقى له الطفل علبة بسكويت في يده، وبّخه والده ومضوا، حين كان منشغلاً بأكل البسكويت اصطدمت برأسه زجاجة مياه متسخة، التقطها وابتسم أن جاءت في الوقت المناسب.. تذكّر أنه لم يشرب منذ يوم وليلتين.

ومرّ اليوم الثاني فالثالث فالرابع.. وهو يقتات من الأطفال في حجرته الصغيرة دون عناء! وتلتقط الكاميرات حركاته بشغف.

وذات صباح استيقظ علي صوت دقّ متقطع على باب حجرته، انكمش في مكانه حتى تكوّم فوق فضلاته، وبعد أن هدأ الدق أخرج رأسه بحذر، ونظر حيث كان مصدر الصوت، وجد لافتة مربعة عُلِّقت فوق باب حجرته، بالكاد تذكر الحروف، وقرأ بصعوبة العنوان السميك: “قفص الإنسان”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.