عملية تدميم

عملية تدميم

بثينة الدسوقي

اللوحة: الفنان المصري محسن أبو العزم

وكأن الدنيا شفتاها

كانت تراهما وهي مغمضة العينين وبلا تطلع لمرآة.. وكانت تراهما وهي تضحك في عين من يراها كأنها تداري بالضحكات بحثها في عيني محدثها عن مرمي بصره.. وتهرب من مرآهما في النوم واليقظة.. كانتا رقيقتان كأنهما خطان رفيعان تم رسمهما بأدق أنواع الأقلام.. كانت تكره شفتيها وتراهما عيبها الوحيد.. كانت تعجَب عندما تراه يطيل النظر إليهما وتتمتم لنفسها: لعل إيهاب يبحث عنهما

عندما نصحتها سارة صديقتها المقربة بأن تلونهما بطلاء غامق اللون وتزيد من مساحتيهما لم ترقها النصيحة.. فهي لا تطيق أن تظل دوماً مضطرة لتحمل الطلاء فوق شفتيها.. لا تراه حلاً جذرياً لمشكلتها

لم تنفعل إلا لفكرة نفخ شفتيها عندما سمعتها من نانسي صديقتها الطبيبة.. إنه الحل السحري الذي تحلم به.. ظلت طويلاً تحلم وتحلم وتحلم

لم تشعر بشئ.. تركت ذراعها لممرضة بيضاء كالملاك لتضع مخدراً سري كماء الورد فيها فغابت في حلم طويل.. طويل.. كانت الشفاه الممتلئة هي بطلته.. ابتسامات تلقيها علي بشر يبدون بعيدين عنها لكنهم يقتربون في شغف ظاهر.. وضحكات تسمعها تأتي منها فتبتسم لضحكاتها الواثقة.. طال حلمها حتى أفاقت علي يد طبيب شاب تهزها برفق.. وبابتسامة واسعة سألته مرآة فسألها الصبر وابتسم عن شفاه متوسطة الامتلاء

جاءتها ذات الرداء الأبيض حاملة وسادة لتضعها خلف ظهرها فتسألها مرآة ..أومأت باسمة وغابت بعيداً

قامت في غرفتها الصغيرة مستندة علي الحوائط تهز رأسها ربما لتسكب ماء الورد منها.. دارت في الغرفة أو دارت الغرفة بها عندما طالعت شفاه جديدة ليست لها.. صرخت.. فخرجت صرختها مدوية لإصطدام صوتها بشفتين في غلظة الزمن وقسوته عليها.. كأن فمها صار بوقاً لا يتوقف نفيره.. صراخها لا ينقطع ويداها يمتدان للمرآة وكأنها تدفع بتواطؤ المرآة مع حظها العاثر

شعرت بذراعين يحيطان بها.. تكاد تتعثر في حذائها العالي وتملؤها الخشية من اشتباك كعبه بفستانها المطرز الطويل.. تعلقت بإيهاب تتمسك به فوضع علي شفتيها الرفيعتين قبلة سريعة وهمس في أذنيها وهو يراقصها: العروس دوماً جميلة.. لكنك الأجمل

دار بها فتطلعت من فوق كتفيه للمدعوين يبدون بعيدين عنها لكنهم يقتربون في شغف ظاهر فرحين بها.. فتركت شفتيها الرفيعتين ترسلان للجميع كل ابتساماتها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.