اللوحة: الفنان البلجيكي يوهان هوريمان
لم يفهم يومًا سبب حقد شهر شباط/فبراير على بني البشر، وكأنّ تلك الأيّام الثّلاثة التّي اجتثّتها ثقافة الشّرق من هذا الشّهر كانت كافيةً لكي يستحقّ اسمه “شباط”، شهر السّبات.
قد حصد هذا الشّهر من أحبّائه العديدين، ولم ينتظر أن يستقرض من آذار أيّامه الثّلاثة السّليبة ليكملا مؤامرتهما.
“يا آذار ابن عمّي ثلاثة منك وأربعة مني حتى نخلّي العجوز يغنّي”
تذكّر هذا المثل الجميل بشكله والقاسي بمعناه وهو يدوس مكابح السّيّارة تكرارًا في الطّريق الذي يوصلُ إلى مرآب المستشفى، مفسحًا في المجال لشيخٍ ينوء جسده النّحيل تحت وطأة السّنين فيتّكئ على عكّازٍ يعينه على عبور هذا الطّريق نحو الرّصيف الآخر، في رحلةٍ لا تخضع لمقاييس الزّمان والمكان.
كان الطّريق يعجّ بهم، يهرعون إلى مركز التّلقيح بما بقي لديهم من همّة ونشاط، نزعوا من قلوبهم وشاح الخوف وانطلقوا نحو أملٍ جديدٍ بالحياة، يسابقون شباط وآذار ومستقرضاتهما التي تتآمر على كلّ من طال حضوره على وجه الأرض، بعد أن كانت سائر أشهر العام الذّي مضى قد تآمرت على جميع سكّان الكوكب مهما كانت أعمارهم.
ساحة المستشفى تعجّ بكبار السن، أعمارهم تفوق الخامسة والسّبعين وفق توصيات وزارة الصّحّة.
بعضهم جالسون متباعدين على كراسيهم البلاستيكية وبعضهم يؤنسهم صديق أو عكاز. جميعهم قدموا بجرأة في تحدّ صريح وواضح للمجهول ورغبةٍ واضحةٍ بالحياة.
كان على وجوههم بعض من ملامح الأمل في زمن ضاقت فيه مساحات التّفاؤل إلا عند من سلّموا أمرهم لمن يحرّك بأنامله خيوط الحياة٠
أبقى قدمه على المكابح بهدوء، العجوز لم يتقدّم إلّا خطوتين، ولكنّه كان يعلم أنّ أيًّا من السيّارات خلفه لن يجرؤ على الامتعاض أو على إطلاق العنان بوقاحةٍ لبوق سيّارته، فالجميع يعلمون مهابة الحدث ومهابة الحضور و”اللي ما عندو كبير يشتري كبير”.
وضع يده على كتفه الأيسر متحسّسا موضع الحقنة التي تلقاها بداية الأسبوع، لم يشعر بتلك الكتلة المتحجّرة التي بقيت قرابة يومين بعد تلقّيه الحقنة. البارحة كان الوجع خفيفًا وما كان شعر به لو لم يحرك كتفه٠ أعاد الضّغط ثانية على العضلة ليتأكّد من غياب الوجع بينما كانت تعاوده مشاهد اليوم الأوّل من حملة التّلقيح الوطنيّة، كان يوم عطلة أحدٍ، ولكنّ ذلك لم يمنع الأطبّاء من التّهافت إلى المستشفى للحصول على تلك الحقنة.
حقنةٌ من اللّقاح وجرعةٌ من الأمل ضد هذا الوباء الذي مضى عليه أكثر من سنة وهو يحصد أرواح البشر دون حسيب أو رقيب، فقضى منهم من قضى ونجى منهم من نجى، كل ذلك في غمار فوضى مجتمعيّة قلبت مقاييس التّواصل والتّلاقي فانفصل البشر بعضهم عن بعض واستشرى الخوف في ما بينهم.
حضر الأطبّاء باكرًا بكمّاماتهم ووقفوا متباعدين بانتظار بداية الحملة. لم يطل بهم الأمر حتى بدؤوا بتشكيل حلقاتٍ صغيرةٍ سعيًّا منهم لقتل الوقت. هم كان مصنّفين جنود صفٍّ أوّل في مجابهة هذا الخطر، وكان الكثيرون منهم قد أصيبوا وبعضهم استشهدوا في هذه المعركة الشّرسة.
كلّ طبيبٍ يدلي برأيه في اللّقاح باحثًا عن مناقشٍ يستفيض معه في التّفكير حول هذه التّقنيّة العلاجيّة الجديدة، فاللّقاحات سابقًا كانت تقوم على حقن أجزاء غير ضارّة من الجرثومة في الجسم ليقوم الجهاز المناعيّ بالتّعرّف إليها وتكوين مضادات حيويّة تقضي عليها فيكون بذلك متأهّبًا لملاقاة الجرثومة في ما بعد.
أمّا الآن فالطّبّ يقوم بخطوةٍ علاجيّة عملاقةٍ تعتمد على حقن جزءٍ من المكوّن الجينيّ للجرثومة في خلايا البشر، فتقوم الخليّة البشريّة بالاستحواذ على تلك المادّة الجينيّة فتستخدمها لتكوين أجزاءٍ من الجرثومة تفرزها على سطح بعض الخلايا، ويقوم جهاز المناعة بدوره حينها ضدّ الخليّة البشريّة حاملة أجزاء الجرثومة.
كلّ تلك اللّقاحات كانت في نهاية مراحل دراستها وقد تمّت الموافقة عليها بسرعةٍ قياسيّةٍ ولكن للضّرورة أحكامها.
كان كثيرون من زملائه الأطبّاء يبدون خوفهم من حقن مادّة جينيّة في أجسادهم مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر ومضاعفات، فينبري آخرون بتذكيرهم وإن من باب المزاح أنّ أهمّ عنصر في خلايا البشر وهو مركز الطّاقة “الميتوكوندريا” كان باكتيريا مستقلّة وكان على الخليّة البشريّة أن تستحوذ عليها وعلى مخزونها الجينيّ لتستطيع الاستمرار والتّطوّر إلى شكل الكائن البشريّ الحاليّ.
طال انتظارهم بعض الوقت حتّى حضر رئيس دائرة الصّيدلة حاملًا في يده حاويةً صغيرةً بدت للوهلة الأولى وكأنّها علبة طعامٍ لتلميذ في بداية سنواته الدّراسيّة، تتالت ضحكات مكتومة بين الحضور ولم يتوانَ بعضهم عن التّعليق “كلّ هذا الانتظار لأجل هذه الحقيبة”.
أربعة أيّامٍ كانت كافيةً لتلقيح جنود الصّفّ الأوّل. جرعة مناعة بسيطة في مواجهة المجهول. تلك الجرعة ليست كافية، يجب أن تليها جرعةٌ ثانيةٌ بعد ثلاثة أسابيع ليكتمل التّحصين المناعيّ.
كان قد أمضى عامًا كاملًا وهو يهرب من هذه الجرثومة، يختبئ منها بشتّى الطّرق، إن خلف كمّامة أو كمّامتين أو خلف قفّازات. ولكنّه يومها أتى بملء إرادته ليواجه تلك الجرثومة أو أقلّه أجزاء منها، كانت مواجهةً مباشرةً، وجهًا لوجهٍ وكتفًا لحقنة.
وقف منتظرًا دوره حتّى نادت الممرّضة اسمه وقامت بتصوير بطاقة الهويّة. المركز مقسّم إلى عدّة غرفٍ مستحدثة بفواصل قماشيّة ومعدنيّة.
سارع بالكشف عن كتفه الأيسر.
“هل أنت مستعدّ يا دكتور؟” سألته الممرّضة ضاحكةً وهي تعطيه الحقنة سريعًا حتّى قبل أن يجيبها على سؤالها، كانت تلك من أنجح الطّرق في إلهاء المتلقّي عن شكّة الإبرة فلا يشعر بها. ابتسم لها شاكرًا وهو يضغط على الضّمادة متوجّهًا إلى قسم المراقبة. خمسة عشر دقيقةً من المراقبة كانت لازمةً بعد تلقّي الحقنة، فكلّ المفاعيل الجانبيّة جائزة الحدوث إن من حيث الحساسيّة أو تغيّر في الحرارة والضّغط ودقّات القلب، ولكنّ احتمال حدوث أيّ منها كان ضئيلًا جدًّا ولم يشعر بأي منها كما أنّه لم يشعر بمرور الوقت فالجميع كان في حالة هرجٍ ومرجٍ في خضمّ هذا المهرجان الطبيّ، فهنا ممرضة تقيس الحرارة وقربها أخرى تقيس الضّغط بينما تقوم طبيبة بتصوير زميلتها التّي تتلقّى حقنتها مع ابتسامةٍ عريضةٍ وتسارع إلى نشر الصّورة على مواقع التّواصل الاجتماعيّ كوسيلة طمأنةٍ للآخرين على أن اللقاح آمنٌ.
هو لم ينكر أنّ بعضًا من الطّمأنينة ساوره بعد تلقّيه الحقنة ولكنّه كان يعلم أنّ هذه الحقنة لن تعيد نمط الحياة إلى ما كانوا عهدوه سابقًا، فالوقاية والتّباعد الاجتماعيّ وكامل الاحتياطات لا زالت ضروريّة حتى تلقيح ثمانين بالمئة من السّكّان، فاللّقاح هو للحماية من المضاعفات الخطرة للمرض وليس واقيًّا كاملًا من الإصابة.
أكمل العجوز مسيرته بخطواته المتقاربة. وصل إلى نصف المسافة وتوقّف ليلتقط أنفاسه وما هي إلّا ثوانٍ وإذا بأحد رجال الأمن يهرع لمساعدته لعبور الطّريق مشيرًا بيده للسّائقين بالتّروّي.
هم الشّريحة التّالية من المجتمع التي تستهدفها هذه الحملة الوقائيّة، التّي تهدف إلى تخفيف وطأة الإصابة بالمرض. كان الكثيرون يُبدون علنًا شكوكهم من الطّعومات وخطورتها قبل أن يفكّروا في مدى فاعليّتها. ذلك لم يكن بالأمر المستغرب في مجتمعٍ تقوم تعاليمه ودياناته وتقاليده على استسقاء مفهوم المجهول الأعظم في كلّ حذفورٍ من حذافير الحياة فيأتي نهايةً على شكل مؤامرةٍ تستهدف أحدًا ما بشكلٍ ما، بداية من مؤامرة شهري شباط وآذار وانتهاءً بمؤامرة سايكس بيكو التي أعطت للحدود شكلها الحاليّ.
كان الجميع يتساءلون عن فعاليّة كلّ نوع من اللّقاحات محاولين الجزم بالأفضليّة بناءً على مقابلة سمعوها هنا ونصّ قرؤوه هناك. فإذا بالجميع قد أصبحوا متخصّصين في علوم الجينات وكيفيّة تطويعها وتحويلها إلى طرق علاجيّة، يحاورون في الطّبّ ويزيدون بينما يعجزون عن الالتزام بأبسط تعليمات الوقاية والتّباعد التّي لو تبعوها بصدقٍ لكان الوضع أسهل عليهم بآلاف المرّات.
أمسك رجل الأمن بيد الرّجل ثانيةً وأعانه ليزيح عكّازه مرّة أخيرةً فيصعد إلى الرّصيف المقابل متّجهًا إلى باب المركز.
نظر ثانية إلى سماء شباط المكفهرة بغيومها القاتمة، هناك عند الأفق شعاع شمس يحاول اختراق تلك الغيمة السّوداء.
رفع قدمه عن المكابح وأكمل سيره وهو يراقب بطرف عينه ذاك العجوز وهو يعبر باب المركز.
هذا الرّجل محظوظٌ فعلّه لن يغنّي هذا العام، فشباط مهما “شبط ولبط” قد حافظ الله على بعضٍ من رائحة الصيف فيه٠