مصطفى البلكي
اللوحة: الفنان الأكراني دانييل فولكوف
بعد أن وصلت إلى بوابة المدرسة، وقفت منصتاً لكلمات جدتي التي أصرت أن ترافقني:
ـ أوعاك تنظر للي في أيد غيرك، وخلي ودنك قبل عينك مع الأفندي، وحاجتك اللي في الخريطة(١) أوعي تتقط(٢) منك..
سكتت، واستدارت ومضت بدون أن تقول لي ماذا أفعل، وقفت أتابعها، وهي تمضي عائدة بدون أن تلوي عنقها وتنظر إلي، أختفت فدفعت بجسدي الصغير وسط العيال، دفعني موجهم حتى وجدت نفسي بجوار شجرة نبق عجوز، تحتها عدد هائل من العيال، يمسكون بقطع من الحجارة، واحد على الأرض والثاني يسكن قبضة الواحد منهم، يرفعه ويسقط به على نواة النبق، يهشمها ويخرج منها شيئا بني اللون، يطلقون عليه “طعمية”، لكل واحد من الجالسين فريق، يتكون من عدد من العيال، يطلقون عليهم “الجلابة”، يدورون وهم منحنون كأنهم يبحثون عن دودة القطن، يلتقط كل واحد منهم نوى النبق، بإشارة من أحدهم انضممت إلى فريقه، في البداية كنت كسولا في التقاط القطع، ومع الوقت نشطت يدي.
فلما جمعنا كمية كافية، قاسها “الكسار” بعينيه، فوجدها تكفي لجعلنا نتصدر السباق، طلب منا الجلوس، فتحلقنا حوله، نراقبه، يده كانت تعرف مقدار القوة المطلوبة لكسر النواة وإخراج السليم منها بدون خدش، وإبعاد الصغيرةالتي لا تحتوي على طعمية كبيرة.
ولما امتلأ حوش المدرسة بالعيال ضاعف الكسار من جهده، فكان لا يضبط قوته، فيهشم النواة وما بداخلها، بيده يلم القطع الصغيرة جدا، ويناولها لأحد من فريقه، فيلقي بها في فمه، وهو يلتهمها يغمض عينيه، ويستحلبها. نال جميع أفراد الفريق نصيبا من الطعمية المهشمة، إلا أنا، انتبه الكسار إلى الخطأ في التوزيع، فناولني القطع، تقبلتها منه، وفحصتها بعينين مترددتين، أحد العيال الجلابة، رفع يده، وبسرعة قربها من فمه، يشجعني، أحجمت عن تناول القطع، ودفعت بها إلى جيبي، أحفظها فيه وليس أكثر من ذلك، وأهملت نظرات حملت باللوم لي من قبل الفريق.
حينما دوت ضربات الجرس اليدوي الكبير، تلونت الوجوه بالغضب، وكف الكسار عن العمل، وأخرج من جيبه منديلاً نظيفا بعض الشيء، أودع فيه ما جُمع لديه، ومضى مع وعد بالتجمع في نفس المكان في الفسحة.
في الفصل، تمسكت بوصية جدتي، فتحولت إلى أذن تسمع، وعين ترى وتتابع، تخلصت من كل هذا مع انطلاق جرس الفسحة، حملت حقيبتي وخرجت، على آخر درجة من درجات السلم أخرجت رغيفاً شمسياً اشترته لي جدتي من بائعة الفلافل، مددت أصابعي، وزعت قطع الطعمية مع قطع الطماطم في قلب الرغيف، فلما استوت المقادير، بدأت في قضمه، وتقدمت من الشجرة، حينما وصلت كانوا على وشك إنهاء عملية التقسيم، كل واحد أخذ نصيبه، منهم من وضعه في قلب رغيف وراح يقضمه، نظرت إليه، وهم ينظرون إلى رغيفي المحشو بالفلافل ثم حولوا عيونهم إلى الكسار الذي أصبح في حيرة من أمره، سرعان ما حسم الموقف، ومد يده بمنابي، اعتذرت، فوزع نصيبي على باقي فريق الجلابة، أخذوه، وابتعدت.
في اليوم التالي، وأنا برفقة جدتي وبينما أعبث بيدي في جيب السيالة، عثرت على القطع المهشمة، وضعتها في فمي، وبدأت في طحنها، فسرى طعمها في فمي، وجدته لذيذا، فقررت أن أنضم إليهم.
ودعتني جدتي، فدخلت لم أجد ضجيج العيال، وجدت كردون من الشرطة المدرسية، يحيط أفرادها بأغصان الشجرة الملقاة على الأرض، ويد تمسك بالعصا توجهني:
ـ ياللا على فصلك.
(١) حقيبة تصنع من التيل الأبيض
(٢) تسرق