محمد عبد الحافظ ناصف
اللوحة: الفنان الأكراني دانييل فولكوف
رقصة
السماء أعلنت غضبها في الليل فصار النهار طينا، عمال السكة الحديد يحاولون تبديل القضبان المنهكة بأخرى، الطين المختلط بالحصى يملأ أرضية المحطة فيكوِّن طبقة تعلق بالأحذية.
تماسكت حتى وصلت إلى مكان أقل طينا- تحت الظلة- انزويت ونفسي وبدأت أنظف حذائي المثقل بحكه في حديدة، أصدر ذلك صوتا أثار احتكاك أسناني، وجدتني أردد أغاني الشتاء:
“لما الشتا يدق البيبان، لما تنادينا الذكريات.“
فتاة تقف على الجانب الآخر تنظر إليَّ.. أراها منذ أكثر من عام تختبئ خلف نظارتها لكني لم أسع لشيء.. كنا نرسم طيوراً من الطين وتصر البنات على هدمها وتحويلها لطين، ويلعبن الصندوق، بدأت الفتاة تنظف حذاءها، نظر إليَّ شخص بجواري، تأفف من حذائه وبدأ ينظفه فأصدر ذلك صوتاً زادني دفئاً، رآه شخص بجواره ففعل مثله وبدأ يحك بشدة، بدأت المحطة كلها تنظف، كانوا جميعاً يتمايلون، لم تمنع صفارة القطار صاحب الحذاء المحمل بالطين أن يواصل، شق صوته موسيقانا، توقف، لمنا في جوفه، كان مسعود يلم العيال في الدرس الخصوصي ويسخر مني ويقول بشفتيه الممطوطتين “ادرس في المدرسة واطحن في الدرس” والعيال يرقصون على قش الأرز في موسم الضم، وإيمان تشبك يدها الصغيرة بيدي، انطلق القطار، ما زال راكب لم يلحق به يرقص، كانوا جميعاً داخل القطار يرقصون رقصة جديدة، طارت طيوري التي من الطين.. توحدت معهم.
رقصة الفئران
قهقهت الفئران بصوت عال، وخرجت من جحورها، وتغامزت، وتفافزت، وتراقصت، وأخذت تقرض قوائم سد مأرب الخشبي أوقات فراغها لما رأت الأولاد الصغار يتناحرون بالسيوف الخشب يتوهمون معركة مع أعداء القبيلة، تحولت السيوف الخشبية إلى حديدية، ضحكت الفئران أكثر وأكثر، تراقصت على صلصلة السيوف، كان حكيم البلدة يرقب لعبهم، كان يحسبهم يلعبون حقا، يهزرون، حذرهم من الفئران لكنهم ظلوا يتقاتلون، حذرهم ثانية، زجروه، تركهم ومضى بعيداً، بعيداً عن السد العجوز الواهن.. تراقصت عمدانه لما ازدادت خلفه المياه.. فقد كان سيل العرم.. احتمت الفئران بأعالي الجبال وظلت ترقص وتضحك وتغني وترقب لعب الغافلين في مكان آخر.