وليد الزهيري
اللوحة: الفنان المصري فاروق حسني
(1)
صعدتُ درجات السلم مهرولًا، فتحت باب بيتي تاركًا حقيبة سفري على الأرض، ارتميتُ في حضن أمي، وجرت على خدي دمعة اللقاء.
– الحمد لله إن ربنا مد في عمري لحد ما شوفتك.
بحثتُ في ملامحها عن أثر السنين:
– ما أنت زي الفل أهو.
– فضل وعدل، أوضتك زي ما هي بحطة إيدك والصباح رباح.
دخلتُ حجرتي حاملًا حقيبتي، مالت في جلستها تتبعني بنظراتها:
– عروستك عندي.
رأيتُ حجرتي مثلما تركتُها منذ عامين، شرفتي المطلة على بنت الجيران، تتوسط دواوين فاروق جويدة الشعرية مكتبتي التي كوَّنتُها من باعة الكتب المستعملة، معتبرًا اصفرار ورائحة الورق عنصرين مكمِّلين لمتعة القراءة، أسطوانات موسيقاي الكلاسيكية كما هي فوق مكتبي، وضعت الحقيبة فوق سريري، أصدرت ضلفة دولابي أزيزًا، رتبت ملابسي على الأرفف.
استدرتُ عائدًا لأحضر المزيد، لمحت صورة ألصقتُها يومًا على وجه الضلفة الداخلي، التُقِطتْ في عيد ميلادي، أقف فيها مستشرفًا مستقبلي المنتظر، وزملاء الجامعة بجواري، حب نشأ منذ أول يوم بالجامعة، أدرتُ وجهي عنها مستمرًّا في إخراج ما في حقيبتي ذهابًا وعودة.. وكلما مررت على صورتها تأملتُ ملامحها مخرجًا ما في جعبتي من ذكريات.
كانت الأجمل.. أو هكذا رأيت، شهدتْ صفحات أجندة المحاضرات على اعترافنا الصامت، أمسكتُ بالقلم، وكتبتُ:
– أحبك.
وكتبت هي:
– أحبك.
اعترفتُ واعترفتْ.. كتبتُ شعرًا متغزِّلًا في محياها، أمضيتُ حياتي الجامعية معها طولًا وعرضًا، موسيقانا كانت معًا، رحلاتنا معًا، ذاكرنا معًا، نجحنا معًا، كل شيء كان معًا، إلى أن جاء المحمَّل من الخليج بما لا قبل لي به.. والتقمها.
لم ينتبه لي – الحبيب المجهول ـ لم ينتبه إلى نملة ساقها حظها العاثر في طريقه، كتلك التي كانت في طريق جيش سليمان الذي سمعها، لكن القادم بسطوة ماله وضع حدًّا للنهاية، وقضى على من عشق، وآثر وتأثر، ورسم مستقبله ومستقبلها، وطئ النملة.. وسحقها.
أغلقتُ دولابي على ذكرياتي، ركنتُ حقيبة سفري خلف باب الحجرة، واضعًا رأسي على وسادتي.. وغططتُ في النوم.
(2)
وضعتُ حقيبة سفري المركونة خلف الباب منذ شهر مضى فوق سريري، أصدرت ضلفة دولابي نفس الأزيز، حملتُ ملابسي الجديدة التي لم يمنحني الوقت فرصة لارتدائها.. أعدتُ ترتيب حقيبتي ذهابًا وعودة، مستذكرًا ما حدث خلال إجازتي.
التقيتُ بعروس رشحتها أمي، رفضتُها لاختلاف معايير الترشيح بيني وبين أمي، تكررتْ محاولات البحث عن بنت الحلال، رفضت بعضهن.. ورفضني بعضهن.
تذكرتُ محاولتي الأخيرة قبيل نهاية إجازتي، التقيتُ بوالد فتاة، رحب بي مانحًا بعض الوقت للقاء ابنته، كانت نموذجًا مثاليًّا لتلك التي أتمناها، حملتْ في ثنايا شخصيتها الكثير من صفات حبي القديم، جذبني منطقها وثراء شخصيتها.. لمحتُ في عينيها نظرة اغتراب احترتُ في تفسيرها، وجهتُ إليها سؤالًا مباغتًا:
– في حد في حياتِك؟
بُهتتْ.. وأجابتْ دون النظر إلي:
– أيوه.
– لسه موجود؟
– بابا رافضه لأنه غير مستعد ماديًّا.. وطلب مني أن أفكر بعقلي.
شرد ذهني، اليوم أنا في موضع جيش سليمان.. والآخر في موضع النملة، قطعتْ شرودي بسؤال:
– أجيب لك شاي؟
– أكون شاكر لك.
تمتمت ببعض كلمات.. أأستميلها ثأرًا لكبريائي؟ أم أتحسس موضع قدمي مستجيبًا لصرخات نملة تستجير؟ عادت تحمل صينية الشاي:
– سكرك إيه؟
نهضتُ مودعًا بابتسامة حانية، رافضًا نظرية التاجر القادر على الشراء، ما عليه إلا أنه (يلف ويشيل).. أغلقتُ حقيبة سفري على محاولاتي المترددة.
ارتميتُ في حضن أمي، جرتْ على خدي دمعة الوداع.. حملتُ حقيبة سفري من على الأرض وأغلقتُ باب بيتي، ونزلتُ السلم متثاقلًا.