حتى حين

حتى حين

محمود حمدون

اللوحة: الفنان السوري طلال معلا 

وقف صبيّ السائق على باب العربة من الخارج، يتأرجح في الهواء، ينادي بصوت منغّم مُدمجة حروفه، لا تبين منها إلاّ كلمة واحدة: نفر، نفر، يتلو أسماء محطات غامضة لا يعرفها إلاّ هو والركاب الذين يندفعون من كل صوب، على وجوههم تستقر نعمة الفقر من سنين، صعدوا يمتثلون لتعليمات السائق يتراصون جوار بعضهم البعض، ألقى عليهم السائق من مرآة فوق رأسه نظرة أخيرة بعد أن أكتمل العدد، ثم أعمل يديه وقدميه ببطن السيارة التي انطلقت بطريقها تتلوى كثعبان يبحث عن طريدة.

بمنتصف المسافة بين محطتين، تنطلق صرخة من عجوز: “فلوسي”، وبلوعة أشد: كيس النقود اختفى، ساد فزع بين الجميع فراح كلُّ يفتش جيوبه، منهم من اطمأن على ثروته الضئيلة ومنهم من حمدت الله أن  “نقود الجمعية” لم تمسسها يد بسوء، بينما عين السائق كصقر تتفحص الوجوه وتفتش في الضمائر ثم حطّت على راكب بعينه، ضئيل الحجم، اصفرار وجهه علامة على فقر لازمه كظله وسيتبعه حتى قبره ولعلّه سيلقاه في آخرته حينما يبحث عن كتابه.

ثم سُمع صوت “مكابح” السيارة، تصفّر بشدة، انكفاء الركاب للأمام، سباب ولعنات اندلعت من هنا وهناك، ثانية وقد قفز السائق من كرسيّه، آمرًا صبيّه: “اقفل الباب ياض”، “أوعى حد ينزل”!

ثم انقض على فريسته قائلًا بغلظة، سبابه يسبق يده التي انهالت على “قفا” ووجه اللص البائس: “ألم أقل لك مائة مرة، ألاّ تقترب من عربتي؟!” 

أقسم أنّي لم أر واقعة كهذه من قبل، لكنّي أزعم أن ما حدث يفوق حفلات “الساحل” التي سمعت عنها، فقد هبط جميع الركاب، واندفعت من الحواري والأزقة جيوش من بشر، انهالوا في عزف جماعي على اللص، ما بين صفع وركل، زغد، لكز ووكز، منهم من كان يمر صدفة فسمع بالحادثة فهب للمشاركة، منهم من تذكّر معاناته من قبل مع سرقة راتبه أو دراجته الهوائية أو النارية، أو حذائه بالمسجد، بل ترك المصلون، صلاة الظهر، والمسجد واندفعوا لإقامة حد السرقة بصورة معاصرة، سمعت من يقول: من رأى منكرًا..، آخر أقسم أن البلد قد امتلأت عن آخرها باللصوص، ولا ينبغي السكوت بعد ذلك.

من بين الأقدام والأرجل تسرّب صوت أنثوي، غادة صغيرة، قائلًا: حرام عليكم، الرجل يقترب من الموت بين أيديكم، أتركوه أو اذهبوا به إلى قسم الشرطة..

لكنه صوت ضاع بين زخم مقاومة المُنكر، وإقامة الحد، والمشاركة المجتمعية الإيجابية. ثم انفض الجمع، ووراءهم جثة لا تزال تكابر وتعاند الفناء تتسلل منها بضعة أنفاس، ملقاة بوسط الشارع، بينما حبور اعتلى وجوه القوم، توارت ظلال الفقر عن الوجوه حتى حين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.