مصطفى البلكي
اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار
في زمن التيه كثيرًا ما سألت نفسي: على أي شيء تتغذى روحي؟ وأي سكون هذا الذي يجعلني مقيمًا؟ كمن أوجدته الصدفة في مكان ما، محدودة أبعاده، كالجسد الذي يحتوي الروح، هي في طبيعتها، تعشق الانطلاق، ما كانت الأسئلة قادرة على إيجاد إجابات مقنعة، دائما كنت أسحب جسدي الذي حمصته شمس الجنوب، وأوغل بلا هدى، أقيم هنا، وأسافر لهناك، أحاول أن أتعلق بشجرة، طلبًا للظل، وبين هنا وهناك دائما خط مستقيم، بداية معروفة، في الأغلب تؤدي إلى نهاية متوقعة، وما بين البداية والنهاية تهدر نفسي؟ كان لها صوت مرتفع، أقرب ما يكون إلى صوت الباخرة وقت مغادرتها الميناء، وقتها كنت أنصت، لا أعرف إن كنت مختارًا أو مجبرًا، فالنتيجة النهائية، أنني كنت أنصت لصوت الخواء.
كنت قد وصلت في لحظة ما إلى أنه لا علاج لتلك الحال إلا أن أُغرق ذاتي القلقة في بحار الناس، وإن لم أفعل، فعليَّ التنازل عن كل شيء، بما في ذلك الحياة.
وقت أن تأكدت من أنها الطريقة الوحيدة، المتاحة لي، اقتنعت بها، وأنا أدرك أنه لا شيء نهائي، بمعنى لا محطة نهائية، رغم وجود محطات لبدايات معينة، وتلك ما كانت لتوجد لولا إيمانى بأن المحاولة هي من تهب الحياة نقطة الضوء، بل أحيانا يكون هذا المنطلق هو نقطة البداية الصائبة، وتلك كانت وسيلتي لأنقذ روحي من أن تنقسم إلى نصفين، فالانشطار كان سيورثني نفسًا منقسمة ومحطمة، ولو حدث هذا، ما كانت أشرقت روحي بين يديك.
وأخذتنى الأيام، وهبطت بى إلى الوادي الفسيح، حيث كل شيء مريح للعين، ومنبسط تحت تل مرتفع، عليه مبنى وحيد، دون على جدرانه، كلمة السعادة، وقتها عبرت حياتي عشرات الوجوه، كلها مرقت من دون أن تترك أثرًا يدل عليها أو رائحة تدل عليهم تلفح أنفي ذات يوم، فأركن ظهري لجدار أو جذع شجرة، وأشرد معها، هذا لم يحدث، ولذلك كانت الشمس تشرق وتغرب، وأمضي بياض النهار وأنا المسافر وحدى، لا أملك أي رسالة لليوم المغادر، فقط كنت أخشى من الكآبة ومن زمن حضورها، كنت أرتعب، فالذي فعلته بى كان صفحة أتمنى ألا تعود مرة أخرى.
وقت أن تتحكم الكآبة بى، كانت تطلق فحيحها، يظل قائمًا بداخلي، ولأتخلص منها كان يلزمني الكثير من الجهد، والكثير من السفر إلى دروب أدمن المشي عليها، فكل ما بداخلي هو وليدها، وكنت أذوب وبعد الشفاء منها، تعود وتحتويني بعض الإشارات، وهى في انطلاقها لا تصل لأن تصبح مثل السيل القادر على التغيير، بفعل قوته، ورغم ذلك كنت أتحسس وجودكِ، كنت أعرف أنك في مكان ما توجدين، لكن زمن إشراقك، لم يكن قد حان بعد.
إن الإشارات التي تكون قادرة على لفت انتباه الروح، فتستيقظ من غفوتها، تمتلك في طياتها عبيرها، يطاردها أينما وجدت وكانت، فيصبح مريدًا، تضمه مع الإشارات جلسات وجلسات، لا يمل أبدا، يتأمل شمس حياته وهى تشرق، شمس دفء، تكون قادرة على إنضاج خبزه، مهما سطعت فهو يتقبل قسوتها بنفس درجة تقبله لعطفها، ويسافر كثيرًا تحت نورها، فيرى بعين خياله الجنة التي حرم منها، لحظتها فقط يقول ما كان لي رد إليّ، اكتمال الضلوع لا يكون إلا بعودة الضلع الغائب، وقتها يعود يقينه، بجدوى حياته، فالحياة الحقيقة توهب لمن تعلق بالثريا، تكون دليله، وأنا مع سنا نورك كنت على موعد، كان مقدرًا لي.
رااائع أنت دائما ياصديقي.. تحلق في سموات زرقاء بأجنحة بيضاء.. كل التوفيق لك.
إعجابإعجاب
صديقي الأديب الرائع مصطفى البلكي .. أحييك وأشد على يديك .
إعجابإعجاب