نور

نور

وليد الزهيري

اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر

ـ أوك يا جماعة ممتازين، بكرة إن شاء الله نفس الحماس أشوفه على خشبة المسرح سواء أوركسترا أو راقصين.. العرض مهم وفي شخصيات مهمة هتحضر الافتتاح.

حدثت جلبة بين الفرحة بانتهاء البروفة (الجنرال) والخوف من الافتتاح، أخذ الجميع طريقه إلى خارج المسرح، الراقصون لحجرات ملابسهم، العازفون كل منهم وضع آلته في جرابها بمنتهى الرفق كأنه يغطي أحد أبنائه في ليلة شتوية كهذه.

ذهبتْ إلى غرفة البطلة في صمت، غير مقتنعة بأدائها، يغلبها شعور بالذنب لعدم صفاء ذهنها استعدادًا لبطولتها الأولى.. كارمن، دقت صديقتها الباب، أثناء خروج أفراد الفرقة عائدين لبيوتهم:

ـ أنت لسه بالملابس يا ضحى؟

ـ سرحتْ شوية.

ـ طب يلا.. مش هتوصَّليني في طريقك؟

ـ معلش روحي مع أي حد النهارده، عايزه أقعد لوحدي شوية.

وصوتها يتباعد مسرعة بالخروج:

ـ أوك باي، بكرة الافتتاح لازم تنامي كويس.

أجابتها بصوت غير مسموع:

ـ حاضر.

انتشر الهدوء ولم يبقَ سوى بعض العمال، خرجت بملابس كارمن متوجهة إلى المسرح، وقفت في وسطه، محاولة إعادة بعض الحركات التي لم ترضِها.. أغمضت حواسها جميعًا، مستمعة لصوت الموسيقى تعزف بداخلها.. وفي أصعب لحظات جلدها للذات، قدمت أرفع أداء تدريبي لها، وما كان هذا ليقنعها، لولا تمكُّن الإجهاد منها، جلست وسط المسرح متقوقعة داخل مشاعرها.

همهمات لصدى حوار تحفظه عن ظهر قلب:

ـ سافري يا بنتي مع خطيبك، صدقيني مش هيحصل لي حاجة.

ـ صدقيني يا ماما كندا هتعجبك، شوفتها قبل كده مع الفرقة لما عرضنا هناك.

ـ صعب عليَّ يا (ضحى) أسيب مصر في السن ده، أنت لسه صغيرة تقدري تبدئي حياتك في أي مكان.

ـ مقدرش أسيبك يا ماما، ولازم أكون جنبك حتى علشان الأدوية بتاعتك ومواعيدها.

ـ هعرف أدبر أموري.

ـ ماما بليز وافقي.

بصوت مقتضب:

ـ (ضحى).. أنت هتسافري معاه علشان هيبقى جوزك، ومن حقه تروحي معاه في أي مكان في الدنيا، أنا كمان من حقي أفضل جنب أبوك المدفون هنا لحد ما يجي يوم واندفن جنبه.

بروح الدعابة

ـ ما تقوليش كده يا ست الكل، إنت هتعيشي لحد ما تجوزي ولاد ولادي.

سمعت بعد ذلك أصداء صوت ذكوري يقول لها:

ـ ممكن نحل مشكلة طنط وحد يقيم معها في البيت.

ـ إزاي تقول كده؟ أنت مش عارف الحوادث اللي بتحصل الأيام دي؟

ـ هي مش عايزة تسافر معانا، أوك.. في بديل تاني قدمنا؟

دون أن تضع عينيها في عينيه:

ـ مش ممكن تلغي فكرة كندا، وتاخد الدكتوراه من هنا؟

ـ طبعًا لأ.. أنت مش عارفة إمكانيات البحث العلمي هنا شكلها إيه، صعب جدًّا تطلبي مني ما احققش حلمي علشان طنط عايزة تموت وتندفن هنا.

ـ (ماهر) بليز ما تتكلمش على ماما بالطريقة دي، مش من حق حد يسخر من أحلام حد مهما كانت تافهة أو بسيطة، هي شايفة إن الدنيا لا تعني لها غير شوية التراب اللي هيقربوا بينها وبين حد عاشت عمرها بتحبه.

ـ واضح تأثرك بكتب الفلسفة اللي في مكتبتكم.

ـ دي أجمل حاجة ورثتها عن بابا، ما اقدرش ألومك لأن حياتك كلها معادلات ونتائج، ولو روحنا كندا مش هنرجع.

ـ في إيه هنا نبكي عليه؟ الدكتوراه ومستقبلي العلمي هناك حتى مستقبلك في الباليه أفضل هناك.

ـ شوف يا (ماهر).. إحنا حبنا جميل لكنه مش هيعيش لو ظلمنا حد في طريقنا، دايمًا هيكون عندي إحساس بالذنب ناحية ماما بسفري معاك، ودايمًا هيكون عندك إحساس بالذنب لو لمحت نظرة حزن في عيني على ماما.. هيفضل سر عذبنا هو ضميرنا الحي.

أومأ مؤكدًا:

ـ أيوه يا (ضحى).

ـ سافر.. أنا هفضل هنا جنب ماما.

ـ يعني إيه؟

رفعت رأسها على صوت اثنين من العمال يتهامسان:

ـ قربنا على الفجر، هي مش هتروح ولا إيه؟

نزلت من على خشبة المسرح متجهة إلى حجرتها، خرجت بعد دقائق مرتدية تنورة سوداء، وسترة جلدية سوداء تخفي تحتها كنزة حمراء، تتقاذف ذكرياتها بخطواتها المتثاقلة، تلعن الصراع الدائر داخلها.. أأخطأت حينما فضلت البقاء مع أمها وتركته يسافر وحده؟ أم فعلت الصواب؟! ظل السؤال يبحث داخلها عن إجابة دون رد.

ركبت سيارتها مغادرة دار الأوبرا لا تتجاوز سرعتها الأربعين كيلومترًا، توقفت في منتصف كوبري (قصر النيل )، نزلت منها متأملة جريان نهر النيل أسفلها، مشاهدة الأضواء المتكسرة على صفحة النيل مثل آمالها.

لفت نظرها جريان مياه النيل المقبلة من بعيد نحوها، تمر أسفل قدميها إلى الجانب الآخر مستمرة في الجريان، تذكرت قول الفيلسوف (هرقليطس ) “إنك لا تستطيع أن تنزل النهر مرتين لأن مياهًا جديدة ستغمرك باستمرار”، لمعت عيناها على أمل جديد تحيا من أجله.

نور.. ينبعث من رحم معاناتها مهتدية إلى ضالتها، ستولد نجوميتها الليلة، سيعطيها المسرح كما تعطيه، وسيمنحها نوره مثلما تمنحه جهدها، ستحمل لياليه اسمها مخلدة ذكراها.. هي بطلته وهو حياتها.. نظرت يسارًا فرأت شروقًا جديدًا يتجلى من بعيد.. ركبت سيارتها منطلقة نحو بيتها.

دقات على باب حجرة البطلة:

ـ ستارة، خمس دقائق على الستارة.

تدب بخطواتها الواثقة على الأرض، سمعت الدقات الثلاث للمسرح، ثم رفعت الستارة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.