وكان له.. «شوارب»؟

وكان له.. «شوارب»؟

 د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنانة العراقية سرى الخفاجي

لم يكن الأمر يومَها، أكثر من كونه كلامـًا مما تنشره الصحافة كل ساعة من أخبار الممثلين والممثلات، واللاعبين واللاعبات، والراقصين والراقصات، الأحياء منهم والأموات.. قرأته ساعتئذٍ، أو قل إن عيني قد انزلقت عليه في حدود ما يستحق.. لكن الأمر لم ينته، وكان جديرًا به أن يفعل.. لقد رأيت بالمصادفة على إحدى الفضائيات العربية، عودة أخرى حارّةً إلى “شنب” الفنان “عزت العلايلي” يرحمه الله، ذلك الذي وضعوه، أو وضعهم هو في المصيدة، فاستدعوا له خبراء الآثار وعلماء التاريخ، واستفتوا حوله أصحاب الفكر، واستطلعوا رأي الشباب والفتيات.. قصة.. غير أن الفنان الذي عرف بالاحترام، ظل “يبرم شنبه” وينافح عنه في “رجولة” غير متناهية.

والحكاية – عزيزي القارئ – ليست نكتة ولا مبالغة مسرفة، ولكنها الحقيقة التي أرهقت ناسًا كثيرين وهددت بانسحاب البطل المهم، “عزت العلايلي” من دوره الأساسي في مسلسل “الأقدار” المأخوذ عن ثلاثية نجيب محفوظ (كفاح طيبه – رادوبيس – عبث الأقدار)، فقد وقف الفنان في إباءٍ وشمم يرفض أن يتخلى عن شعرة واحدة من “شواربه”، حتى لو قامت الدواعي الفنية، أو توقف العمل في المسلسل الذي بلغ من تكاليفه كيت وكيت، وبلغ من أهميته أنه يعرض لفترة متألقة من تاريخ الحضارة المصرية القديمة، وحتى لو كان عزت العلايلي سيفقد دور الملك العظيم “خوفو” صاحب أشهر أهرامات مصر، فكل ذلك لا يساوي عند “عزت العلايلى” الرجل، شعرةً من شواربه التي يريدون أن يهزموها بحجة أن “خوفو” الحقيقي، لم يكن له “شوارب”!! ثم هو فوق ذلك يحلف أنه رأى تمثالاً للفرعون العظيم “خوفو” يحمل “شنبًا” جميلاً، فكيف يخالفون الواقع؟ والمخرج ومعه غير قليل من الناس يحلفون أن ذلك محض وهم، وأن التمثال الذي رآه “عزت العلايلي” ربما تراكم تحت أنفه تراب أو سواد عارضٌ ظنه الفنان “شوارب” خطأ، ويضيفون أن فن التمثيل كله يقوم على الإيهام بالحقيقة، وأن حقيقة المصريين القدماء أنهم كانوا يحلقون رءوسهم وشواربهم، ويصبح إظهار “خوفو” هنا وله “شوارب” كسرًا للإيهام فنيـًا، وكذبًـا على الواقع تاريخيـًا، وهذا يفسد مصداقية الشخصية عند المتلقي الذي يحمل في ذاكرته صورة ينزعج إذا رأى غيرها، وهل تسكت أنت – عزيزي القارئ – إذا رأيت من يمثل شخصية “هارون الرشيد” مثلاً، وهو يتحدث في الهاتف النقال أثناء قيادته السيارة؟، أو رأيت رجلاً من “الأسكيمو” يزيد طوله على مترين؟ إن من وظيفة الفن، أن يوهم المشاهد بأن ما يراه هو الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة.

رأت الفضائية العربية إياها، أن تؤصل المسألة فرجعوا إلى الدكتور “محمود مبروك”، ثم إلى الدكتور “زاهر حواس” من خبراء المصريات، فقررا أن “خوفو” كان له “شوارب”، صحيح أن إزالة الشوارب كانت شائعة عند المصريين كما تشهد تماثيلهم وصورهم الجدارية، ولكن الشيوع لا يثبت شيئـًا في حالتنا هذه.

سألت الفضائية بعض الفتيات هل يفضلن رجلاً له شوارب؟ فاختلفت الإجابات، فرآها البعض تلخيصـًا مهمـًا للرجولة، ورأى الآخرون أن الرجولة جوهر باق، والشوارب منظر عارض، وأن وضع علامة “المرسيدس” على عربة يجرها حمار، لا يثير إلا “المسخرة”، وأجاب رجل: لو كان الأمر أمر “شوارب” لكان الصرصار في عداد العظماء.

والآن.. ما رأيك أنت عزيزي القارئ؟.. أما أنا فليس يعنيني شيء من شوارب “خوفو” أو من شنبات “عزت العلايلي”، ولا أدري – ولا أنوي أن أدرى – كيف حـُلت المشكلة، أما الشوارب عندي فمسألة اجتماعية عرفية يجري فيها ما اتفق عليه الناس في بيئة بعينها، فهي هناك قيمةٌ، وهي هنا بلا قيمة، أما الذي يهمني هنا بالأصالة، فأمران مهمان، أولهما متصل باللغة، والآخر متصل بالأخلاق، فأنت تلاحظ أن الناس يخلطون لغويـًا بين “الشوارب” و “الشنب”، ويظنون أنهما شيء واحد، وهما شيئان مختلفان جدًا، إذ إن “الشنب” جمالٌ يختصّ بالمرأة، والشوارب جمالٌ يختص بالرجل، فالشنب وصف بجمال الثغر وصفاء الأسنان وحسنها وعذوبتها ورقتها، وكلها صفات تنتمي إلى معجم الأنوثة كما ترى، يقول “ذو الرمة” فى قصيدته الشهيرة التي مطلعها: 

            مابالُ عينكَ منها الماءُ ينسكبُ                  كأنهُ مِن كُلًى مَفْرِيَّةٍ، سَرِبُ 

يقول واصفـًا حبيبته:

            لمياءُ في شفتيْها حُوَّةٌ لعسٌ                     وفي اللثاة وفي أنيابها “شَنَبُ”

ولما كانت “الشوارب” جمالاً عند الكثير من الرجال، فقد استعاروا لفظة “الشنب”، فجعلوها في موضع “الشوارب” على سبيل “المجاز”، كأن “الشوارب” حلية للرجال، كما أن “الشنب” حلية للمرأة، واستقر الأمر هكذا ونـُسي الأصل، حتى أنك لو وصفت امرأة معاصرة بأنها ذات “شنب” لرجعـْتَ بغير شواربك، أو على الأقل، بغير ما تحب، إلا إذا كانت تلك المرأة التي وصفتها، ممن يحب لغته ويفهمها، أو ممن يحبك أنت ويفهمك، وعلى هذا تظل المسألة خطأ لغويًـا لا يقبل به محترم لرجولته، أو محتــرم لثقــافتــه اللغــوية، واللغـات كـل اللغات، لا تصـف رجــلاً محتـرمـًا بـ “الجمال”، فهم مثلاً يقولون “فتاة جميلة أو حسناء” ويقولون  beautiful girl، ثم يقولون في الرجل إنه “وسيم”، أو “قسيم” ويقولون إنه “smart” أو “hand some ” مثلاً.. ألست ترى الآن – عزيزي القارئ – أن كثيرًا من الرجال قد وقع بذلك، “هو وشنبه في المصيدة”؟

أما ما يتصل بالأخلاق من أمر “الشوارب”، فهو أوسع عندي مما تسمح به هذه المقالة، وهو أوجع عندي مما تسمح به سياسة الموقع، فإذا كان لي أن ألخص هنا ما لا يلخص، فإن “الشوارب” الحقيقية، هي التي تنهض تحت ضلوع الرجل لا تحت أنفه، وهي التي تضع في القلب والروح والإرادة خطـًا أحمر لشرف الرجل للحرمات والمقدسات، لا خطـًا في الوجه أسود تحت أنف مضروبة بالذل والإهانة، إن العالم كله قد أذهلته رجولة الأطفال الشباب في انتفاضة المسجد الأقصى، وهم يواجهون بصدورهم الشريفة همجية الرصاص اليهودي عند الحرم القدسي، فهل سأل أحد في هذا العالم، أي الشباب كان له “شوارب”؟

إن الشهيد الصبي “محمد الدرة” الذي قتله الرصاص اليهودي الفاجر، كان بلا شوارب، ومع ذلك فقد بكته كل عيون الشرفاء، وكل عيون الإعلام العالمي، إنه يصلح عندي أن نقيم له فوق جبهة الدهر وفي قلوبنا أيضـًا “تذكارًا” تنهض أقدامه فوق جبل من القلوب الباردة “والشوارب” المتقاعسة.

ذلك أن أمانة الله في الأرض، لا يقدر على حملها الجبناء في مواجهة عدوهم.. الثرثارون في عالم الغيب.. الخرس في عالم الشهادة.. حتى لو كانت لهم “شوارب” تقلع من فوقها الصقور، فتثبيت علامة المرسيدس على عربة يجرها حمار، لن يزيد صاحبها إلا هُزْءًا على هُزْء.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.