مرعى الألم

مرعى الألم

نورة عبيد

اللوحة: الفنان الفلسطيني محمد نجم

“لا شيء يعادل الرّوح حين ترسل إلى أبعاد أزليّة، تغازل الأبديّة بذاكرة تاريخيّة تتوارث حينا بعد حين وإن شئت أمدا بعد أمد”

خاطبها بهذه النبرة لتلملم ما تبقى من اللّقاء المفترض قبل أن يزف بالزغاريد حيّا إلى ربّه عليما بالمصير هُنَيْهَة قبل إهلال عزرائيل، احتضنته كما لم تفعل أبدا، تشمّمت عطر الشّهادة من ثنايا الخلايا الصّادحة بحقّ فلسطين في المقاومة، وحقّ من لم يكنْ بعد أنْ يتوارث هذا الحزن العظيم

خلّلت أصابعها المرتعشة بين ثنايا شعره المرسل على الجبين حتّى حجب عينيه عن القنّاصين والقوّادين ثمّ أطبقت قلبها على قلبه، ووهبته نبضاته المودّعة دون أنين ثمّ زفّت له الخبر في حياء؛ ستسمّي الذي يتنامى في أحشائها جبريل ستقذف في روحه طريق الغياب إلى الزّمن المستحيل ستربّيه على ركوب الأساطير، ستقدّ له حجارة من سجيّل، سينتظر مهبط الطّير الأبابيل

انحنى إلى حملها، وقبّل سرّتها ثمّ أوصى أن تقذف سرّة المولود في تل أبيب

جمّعت أصابعها هناك حتّى تشابكت وأقسمت على المسير إلى تل أبيب دون لهيب

لم تحتفل باستقباله شهيدا فما حاجة الأرملة إلى ذلك وضجرت أن تتثكّل يوما قبل الحلول بتل أبيب 

سمعتُ ذلك، وأنا ألملم وجع فقدان جنيني الذي انتظرته على قلق؛ لا نوم ولا تمدّد، لا غضب ولا شجن، لا انفعال ولا افتعال، لا سفر في الرّوح إلى الشهر التّاسع إلاّ بجواز أمل من الطّبيب، لا عودة إلى الشّهر الأوّل لعلّ العدّ يتوقّف، الحالة حرجة لا يملك سرّها إلا ّاللّه عليك الانتظار فقط أنت في رعاية اللّه!

خاطبتني ساخطة وهي تزفّ خبر الانضمام إلى الحياة العاديّة حتّى لا أواسيها ولا ألتزم بوجودية صوفيّة أدثّرها فيها بالقدر

 تلقّيت الخبر على الهاتف القّار، ونسيت أن أسألها عن المكان الذي به حلّت فقالت من غزّة؟

لم أصدّق اعترافات صديقتي الفلسطينية كثيرة الامتداد في المكان، متى سافرت؟ ومتى شُفيت وآمنت؟

قالت من غزة فعلا، كان ذلك منذ شهر، لمّا حلّ الفراغ ذهبت إلى الحياة التي أحيا، لقد تسلّلت عبر رفح، وتعلمين أنّ جنسيّتي الأمريكيّة تسهّل لي العبور إلى أبي الهول.

من هناك أبلغني مجموعة من الأحرار أنّ الأوضاع تميل إلى الانفجار وعلينا أن نتجنّد لخدمة الإنسان ونصرة الإيمان بأرض الشّراك بين اليهود والمسلمين، يجب أن نتجنّد لإقامة العدل بين الإخوان بعيدا عن الميعاد.

هؤلاء سيصنعون الحدث وأنا سأصنع حدثا.

سأحدث تميمة للشهداء وسأضمّ الأطفال جميعا، سأقبّل العيون الشّريدة أحلم بالغد لابدّ من الغدّ، هناك أطفال الغد أطفالي، وقلوب الغد قلبي وأرواح الرّاحلين روحي

 ناجيت نفسي مهلّلة:” طفلي الضائع سيحمد اللّه أنّه غاب قبل أن يورّث عذاب الفلسطيني”

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.