البالوعة

البالوعة

يوسف بولجراف

اللوحة: الفنان المصري فاروق حسني

في طريقه بدأت خطواته تتثاقل، كلما وضع قدما صار من الصعب عليه رفع الأخرى.. يشعر كأنه في كل خطوة تتوغل قدمه للأسفل، فيبذل جهدا لإخراجها، وما إن يكاد يرفعها حتى يجد القدم الأخرى متوغلة أكثر، اللعنة! أي تآمر هذا؟ هل صار وزن قدميه يفوق جسده؟ أم أن درجة جاذبية الأرض تزداد هي الأخرى؟ ليس غريبا، فالزيادات صارت حمى هذا العصر، بالوعة تجرف المساكين لتفيض على الأغنياء، حاول افلات قدميه بسرعة فأحس أنهما تغرقان أكثر فأكثر، كل حركة أو محاولة انتفاضة للانفكاك تزيده غرقا وتفقده قواه، حاول التوقف عن الحركة والتفكير بحل آخر، لكن كل دقيقة تمر عليه كانت توغله أكثر، كل شيء صار ضده، انتفاضته، سكونه وحتى الوقت، حاول البحث عن مساعدة من أحدهم لكن لا أحد يجرؤ على مد حبل نجدة إليه لسحبه إلى بر الأمان، فكل الذين حوله منشغلين بأنفسهم، وهمهم الوحيد هو إيجاد موطئ قدم آمن خشية الغرق. أحس أنها النهاية وقد صار عاجزا عن فعل شيء، خارت قواه تماما، لكن صوتا مألوفا لشخص يحبه همس له: لا إنها ليست النهاية ستأتيك النجدة قريبا فقط اصبر! تأمل حوله فلم يجد أي علامة تدله على النجاة، فتساءل: وما الذي يؤخرهم؟ هل ضلوا طريقهم إلي؟ أم مازالوا بعيدين عني؟.. هُيئ له للحظة أنه يسمع صفير الإنقاذ، صوت بعيد جدا لا يكاد يستبينه، أرهف السمع أكثر فبدا له أنه يتوهم، فمن هذا الذي سيتكلف عناء القدوم لمد يد العون خاصة وأن وضعه استفحل. لكن ما مصدر تلك الأصوات أخذ يتساءل، هل بدأت أفقد صوابي؟ هل هي تهيآت ما قبل النهاية؟.. اشتد عليه أمره لكنه ظل متمسكا بطرف أمل بداخله يخبره.. لا تيأس، تماسك، تمالك وعيك أكثر ولا تستسلم. وهو ينتظر بصبر أحس أن أصعب شيء في الانتظار هو الانتظار نفسه، هو الوقت، خاصة حين يتعلق الامر بالنجاة او انتظار شيء يعيدك للحياة، صارت كل لحظة يعيشها أثمن من سابقتها وفي نفس الوقت لحظة مراجعة للذات وتأمل للنفس، وكل ما ألقى بها في هذا الوضع، لحظات محاسبة ومساءلة، ما لذي فعلت؟ هل هو قدر محتوم أم خطأ في تواجدي بمكان غير مناسب! هل هو بلاء مقدر أم تقصير مني في مجاراة ظروف عيش مستحيلة! كلها أسئلة كان يغالب بها إغماءه قبل وصول النجدة، وفي نفس الوقت يبني بها ذاتا جديدة لو قدر له النجاة بعدها ستكون له ولادة جديدة، لكن لا تفكير له الساعة إلا في النجاة.. رغم أن غرقه بلغ مداه وبالكاد صار يتنفس.

الجاثوم (بوغطاط)! 

في كل ليلة يخلد فيها للنوم، يقوم فزعا ويتصبب عرقا، كان يشعر بشيء ينزل على صدره ويغمه حد الاختناق، فيظل يصرخ ويستنجد دون أن يسمعه أحد، جسده مكبل تماما وعاجز عن الحركة، أصبحت حياته عذابا وصار حلمه أن ينعم بغفوة. غفوة فقط يشعر فيها بقليل من الراحة، يعيد توازن عقله بجسده، لا الاطباء ولا المعالجين الروحيين استطاعوا تفسير حالته، حدثه الأهل عن وجود قوى خفية تجثم على جسد الانسان، انه “بوغطاط فقط حاول أن تنام على طهارة ولا تستلق على ظهرك” كل تعليماتهم لم تكن مجدية، فالجاثوم يظل مترصدا به كأنه لا يعيش إلا في غفوة ضحيته، ذات مساء، استلقى على ظهره، وغفا، نام نومة ثقيلة وحدث زلزال في المدينة تداعى سقف بيته ووقع عليه، هبّ الناس لإنقاذه، وجدوه حيا يرزق، لا أثر لخدش في جسده، من يومها لم يعد الجاثوم يزوره.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.