اللوحة: الفنان الإيطالي غايتانو مورميل
دفعني برد الشتاء وأنا عائد الليلة الفائتة، للبحث عن نور أهتدي به في عتمة المساء، ونار أستدفئ بها، فسألت كل من مرّ بيّ عن غايتي، فأشاورا بصمت إلى هناك، بأقصى الأرض، حين يلتقي الفجر بزبد البحر، حين تقترب السماء كثيرًا من الأرض، قالوا: هناك ستجد “غادة” لها عينان ساحرتان،تومضان بنبض الحياة، عميقتان كجُب “يوسف”، فإحذر إخوتك وأمسك لسانك ولا تبح لأحد برؤياك.
فإن وجدتها فسلّم عليها، ولا تدع يمينك تُفلت يدها البضة أبدًا،ففي التقاء الأنامل وجود، وبعض الوجود يُغني عن الوجود.
كنت أصغي لمُحدّثي وشغف يستولي على قلبي، ترتفع دقاته بشدة، فتعجّلت القيام، مضيتُ دون إذن ولا اعتذار، خُضت الطريق بطوله، وفجر يبدو أنه يأبى المجيئ، وريح تلفّني من رأسي لأخمص قدمي، وبعد شقاء ومكابدة، وجدتها على البُعد، تقف شامخة، تهمس للنجوم، بينما يُنصت لها القمر.
سألتها : أنت غادة؟ أنت من قالوا عنك كذا، كذا، وأسهبت في الوصف، أثنيت بما رأيت وأحسست وأفضت في مشاعري حتى سكن الكون تقديرًا لكلامي ورأفة بحالي.
ردّت بعدما فَرَغَت جُعبتي، قائلة: تعاندني الحروف حين أكتب إليه. فما أنا بالجريئة حد الايضاح. ولا قلمي صريح حد الحقيقة. لماذا يراني على وجه قلبه. ويزعم أنّي أنثى طليقه. ويطلب منّي اعترافًا بحبه. ويقيني أنّي لنبضه عشيقة.
عندئذ لثمت أناملها الرقيقة، قبّلت الأرض بين قدميها، وقلت وأنا أرجع بظهري للخلف: جئتك شاكيًا حالي، راجيًا رفقًا بقلبي، فوجدتك باختيارك تقفين بعناد بين الجنة والنار.
يوسف وأخوته
ويظل الرهان قائمًا بيّني وبينها،هي تدرك أنّي سأرفع سماعة هاتفي، سأكلمها، بينما ألتحفُ بالصبر، وأنتظر حتى تقول هي: أين أنت؟.. لكن يمر بعض وقت!
أتردد واقترب من هاتفي، أنظر شاشته، أمسحها بمنديل ورقيّ كأنما أمحو عنها غبار السنين الذي طمس الأرقام الآتية، أعبث بأزراره، أزور قائمة اتصالاتي، أنظر برفق لرسائل قديمة، أدخل صفحتي على “فيس بوك”، أرقب أخبار لا تعنيني، أقرأ بفتور تعليقات من هنا وهناك، كل ذلك أفعله في ثوان، أكرر فعلتي بتلقائية لا أشعر بها، حتى أصبحت “لازمة” تلاصقني كلما صحوت من نومي وذهبت إلى عملي.
لطالما قلت لنفسي: كبرت يا وليدي على هذه التصرفات الخرقاء، مالك والهوى؟!، هو شأن لا يعنيك من قريب وحبيبتي، بئر غياباته أعمق من جُب “يوسف، وأخوته”، إن وقعت فيه فلن تجد “سيّارة” تنقذك من هلاك محقق!، قلت كل ذلك وأكثر وأنا ما زلت أعبث وأعبث بهاتفي، حتى كلّ منّي وانغلق على نفسه وأبى أن يستجيب، فأطفأته وأعدت تشغيله. ثم أخرجت منديلًا آخر.