بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان السوري اسماعيل نصرة
يكاد لسانها ينطق.. فتقيده.. تخبئه وتغلق ثغرها تماماً.. ليس هناك ثمة ما يُقال
شعور حاد بالوحشة يلازمها لغيابه تلك الأيام.. تبحث عنه بين أرجاء المكان.. لا تجده.. لكنها تشعر به بعد حين يلازمها فيتبدد إحساس الوحشة قليلاً.. توارى إحساسها بخجل بين طيات تفكيرها.. وتلهى عينيها بين أوراق كثيرة.. فتطالعها عيناه في كل صفحة.. تزهد الصفحات
تلملم أشياؤها المبعثرة وتغلق أدراجها بمفتاح وحيد وتتركه مُتدلي من الدرج.. تنظر إليه متمعّنة.. هل تضمه إلى حقيبتها حيث يرقد في سكون اعتيادي.. تقرر تركه وتنسحب من يوم عمل يخلو من وجوده وكلماته
تنهار هناك.. في بيتها.. حيث تحاول بث الحديث في أرجاء الصمت المحيط..الصمت الذي يفرضه الآخر.. ذلك الموجود رغماً عنها.. ذلك الذي فرضته الأقدار عليها والذي تتقاسم معه هواء البيت وصمته.. تحاول المحاولة تلو الأخرى ولكنه يأبى أن يستمع.. هو لاهِ عنها بألف أمر أهم عنده من وجودها ذاته.. تحاول.. فيأتيها الرد مقتضباً كعناوين نشرة الأخبار.. يتحرك الخط البياني الذي تراه على شاشة افتراضية جانبية متذبذباً لأعلى قليلاً.. ثم يعاود الثبات.. مُصدراً صفيراً قاتماً ينبهها إلى نضج الطعام على الموقد
تتحرك كتمثال.. تحيا كتمثال.. وتطالع بسأم شديد عقارب الساعة العتيقة المعلقة في تابوت رأسي.. يتحرك بندولها بسأم مماثل..تمر من أمامها لتذهب إلى إعداد طعام يبقيهما على قيد المسماة.. حياة
تغمض عينيها قليلاً.. فتدفئها حوارات مستفيضة مع ذلك المجهول الذي يأبه لها، والذي يسكن خيالها كساكن المصباح مُلبي الأمنيات.. تظن الحروف قد أصابها حريق.. الحروف المُستعادة تبثها دفئاً مُحبباً.. تصرخ.. لقد لسعتها النيران.. لا يهتم أحد بسؤالها عن سبب الصرخة.. كأنها مُفترض فيها الألم الدائم.. تواجه بقايا الحنين بالنوم
توقظها لمسة على شفتيها.. فتنفرجان في تساؤل مُجاب عنه.. وتستكمل النوم
صباح آخر يخلو من وجوده.. لماذا تفكر بوجوده؟ إنه لن يأتي أبداً كسائر الأمنيات.. إنه لا يمنحها في الخيال إلا كلمات.. مجرد حديث.. لا يريحها الحديث بل في أغلب الأحوال يستنفر أفكارها.. جدل دائم.. نقاش مستمر.. كلمات رغم عاديتها تحسها دافئة.. تُقصى إحساسها بدفء الكلمات وتحاول استعادة أحداث الأمس بعد لمس الشفاه.. فتبين لها الشاشة الجانبية بخط ثابت معتاد
صباحات متتالية تخلو من وجوده.. تحاول بث الروح في ذاكرة الإحساس.. تستجلب من الكلمات القديمة دفئاً، تحيا بدفء مُستعاد
عندما أتى ذلك الصباح إلى مكانه الشاغر منذ عصور، وتجسد لها واقعاً يمد إليها يده بالسلام، حاولت الكلام.. يكاد لسانها ينطق.. فتقيده.. تخبئه وتغلق ثغرها تماماً.. ليس هناك ثمة ما يُقال.