عم محمود.. السّقا

عم محمود.. السّقا

حسن عبد الموجود

اللوحة: الفنان الفنان السويسري اوتو بيلني

لن أقلد أستاذنا الكبير يوسف السباعي في روايته السقا مات فأكتب عن ذلك الرجل الكادح الذى يحمل قربته فوق ظهره ويمرق بها في أزقة القاهرة وحواريها بل أنني سأخبركم عن رجل نال من عهد السقاة آخره لم يحمل كما حملوا قربة فوق ظهره ولم يملأها من نهر الصافي كغيره من قدامى السقاة.

ففي العهد الذي عاش فيه (عم محمود) ظهرت صنابير المياه العمومية والتي قدر الله يكون أحدها أمام منزلنا مباشرة نراقب هذا الشخص عن قرب كانت وامتلأت دكاكين المدينة -والتي لم تكن بعيدة عنا- بصفائح الجبن الكبيرة التي اتخذ (عم محمود) اثنتين منها كأوعية لحمل المياه مثبتتين بخطافين كبيرين معلقين بعصا غليظة يحملها فوق كتفيه يجوب بحِمله الثقيل شوارع القرية الضيقة يملأ وبنظام روتيني يومي أزيار أثرياء قريتنا إن صح أن نطلق على من يمتلك بضع قراريط وبيتًا ذا طابق واحد من الطوب اللبن ثريًا.

في الحقيقة إنني لم أتعامل مع هذا الرجل الطيب الذى شهدت طفولتي أخريات حياته غير أنني لا أسامح نفسي حين أذكر ما فعلته معه أنا وأصحابي في مغامرة طفولية شيطانية كبدته الكثير من المتاعب.

أذكر هذه الليلة حينما ملأ الصفيحتين وكنا نراقبه في الظلام ونحن جالسين فوق المصطبة التي أمام دارنا حيث خلت شوارع قريتنا من أى ضوء إلا ما تجود به لمبات الجاز والتي كانت هي الفارق الوحيد بين بيوتنا والمقابر فكان الجو والوقت ملائمين لهذه المغامرة حيث قبض كل منا بقبضة من تراب الشارع ومشينا خلفه في خفة طفولية رائعة حتى اقترب من طاحونة القرية وهناك عند المنعطف أفرغنا ما في أيدينا في وعائيه الثقيلتين اللذين يصدران بفعل احتكاكهما بالخطافين الحديديين أنينًا يحاكي ما بقلب صاحبهما من آلام ثم جري كل منا إلي بيته تحت جنح الظلام وبداخله أحاسيس متضاربة من الشفقة والخوف والسعادة .

وفي الصباح وعند صنبور المياه سمعته وهو يدعو على أطفال القرية وينهال عليهم بالسباب واللعنات فهو كغيره مساكين قريتنا لا يملك إلا الكلام.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.