اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو
أعرفه من أعوام تزيد على العشر، على رغم أنه أُحيل للتقاعد من سنوات، إلاّ أن نعيم الشباب لا يزال يُسبغ فضله عليه، بشرة صافية رائقة مشدودة، عينان لامعتان تضجَّان بالحياة، شعر أسود فاحم عدا بضع شعيرات بيضاء تطلّ على استحياء، كأنما تهمس لصاحبها: لا تأمن غدر الزمان يا عزيزي..
أقبل عليّ صبيحة أمس، كعادته فتح ذراعيه، ابتسامته الودودة تمتد على كامل وجهه، فلمّا اقتربت منه، لملم يديه وقبض على أصابعه اليمنى لتلمس برفق يدي، تلك تحيّة معاصرة تراعي اشتراطات الوقاية الصحية من الوباء المتفشّي بيننا الآن، قال عبارته، ثم استوى على كرسيّ يجاورني بمكتبي، فأيّدته فيما قال وفعل، وبإشارة دون كلام أدرك عامل المكتب مرادي، فأسرع لإعداد فنجانيّ قهوة لنا..
أخبرته: للقهوة طقوس لتناولها، ينبغي مراعاتها جيدًا،أوّلها أن تشربها في صمت، أن تشمّ رائحتها قبل أن ترشفها، أن تُغمض عينيك وتشرد بعقلك بعيدًا إلى حيث لم تحملك قدماك من قبل.
فابتسم، بادلني صمتًا بصمت، وحينما أوشك الفنجان أن يصل إلى نصفه، تلك اللحظة التي يصطدم النظر فيها بقاع الفنجان، وضعه برفق أمامه، وقال: أتعرف؟
فالتفتُ إليه باهتمام، أكمل: أحببت القهوة على كبر، بعد أن استقر بيّ المقام ببيت جديد، بحيّ راقي بمدينة تحيط بها الصحراء من كل جانب، شيّدت به حديقة صغيرة، زرعتها بأنواع من الأشجار النادرة، الزهور، بركن منها نثرت بضعة كراسي من الخيرزان وطاولة خشبية رقيقة، حرصت على شراء كل أدوات إعداد القهوة بعد أن استقر أمري على نوع وتوليفة محددة من البن.
قمت بعشرات التجارب حتى وصلت لطعم معيّن لقهوتي، أتناولها صبيحة كل يوم، حينما يكون فنجاني بيدي، يُصبح كل عالمي، وحولي يمتد كون كبير من صحراء مترامية الأطراف،تجمّعات سكنية فاخرة، جيران كُثر،لكن هناك دومًا برودة قاتلة، زوجتي هجرت الحديث معي منذ عقد من السنين، وولد ساخط على البلد، يكره كل شيء إلاّ فكرة الهجرة للخارج كي يلحق بأخويه. غامت ضحكته وراء كدر بان بعينيه وأردف: أتعرف، أنيّ أصبحت جدًّا لأحفاد لم أرهم!
كنت أستمع إليه، أعرف أنه يكره أن يقاطعه أحد، تحاشيت كثيرًا أن أنظر بعينيه، فأنا أعرف تلك اللحظة التي يغشى فيها الهم وجه صاحبه، مررت بها من قبل، لكنّي خشيت أن يعتقد أنّي أتجاهل حديثه، فرفعت رأسي، حينها التقت العينان، قلت وأنا أجاهد في سحبه لمنطقة تجدب فيها الأحزان: أراك قد أدّيت رسالتك، ووفيّت بالعهد، كلُ يختار طريقه، هي رحلة كما بدأت ستنتهي، كنت أتخيّر بل أتحسّس كلماتي معه، كان ينظر بعينيّ عميقًا، حتى اضطربتُ، تلعثمتُ، تناثرت كلماتي ومعها بقايا الفنجان، أقسم أنّي لمحت سحب الشيخوخة تعبر وجهه سريعًا،
كما تخايلت بظلال رمادية تستقر بين عينيه، لكنه تمالك نفسه،نجح أن يُخفي مشاعره خلف قناع يقيه غائلة الفيروس المنتشر بالجو، ثم وقف وشكرني والعامل على قهوته، وقال بعد أن أستردّ ضحكته الصافية: لا زالت الدهشة تعتريني كلما قرأت لك، تثيرني موضوعات قصصك، أتعرف؟
فنظرت إليه وأنا أنصتُ كأنما أقول، نعم، فأردف: كلما خلا المرء من الهموم، راق باله، صفا ذهنه، أمكنه أن يكتب ما يشاء ويُبدع، وأظنك كذلك يا عزيزي، ثم كوّر يمينه ولمس بها يدي مرّة أخرى،وانصرف، فتبعته بعيني، أودّع عزيزًا على قلبي، همست وأنا حريص إلاّ يسمعني: لطالما انتظرتك على أحرّ من جمر، لطالما آمنت أن جنّتي عندك، بين يديك سآوي إلى جبل يعصمني من فيضان الشوق والألم، لكنّي وجدت قلبك فارغًا كفؤاد “أم موسى”.