ترجمة: د. عبدالله عبدالعاطي النجار
اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس
حَيْثُمَا يُوجَد الطُّغْيَان،
هُنَاكَ طُغْيَان،
لَيس فِي فُوَّهَةِ البُندُقِيَّةِ فَحَسب،
لَيس فِي السُّجُونِ فَحَسب.
لَيس فِي غُرَفِ التَّعذِيبِ فَحَسب،
لَيس فِي صَرَخَاتِ السَّجَّانِ فَحَسب
وَإِنَّمَا فِي اللَّيَالِيِ الكَالحةِ أَيضا،
هُنَاك طُغْيَان.
لَيس فِي عَتْمَةِ الدُّخَانِ فَحَسب،
وَإِنَّمَا أَيضا فِي المُرَافَعَاتِ وَالمُدَاولاتِ،
فِي الاعتِرَافَاتِ،
فِي إِشَارَات دَق المُعتَقَلِين لِبَعضِهِم البَعض على حَوَائِطِ السِّجنِ.
لَيس فِي بُرُودَةِ حكمِ القَاضِي فَحَسب:
أَنت مُدَانُ!
هُنَاك طُغْيَان
لَيس لَدَى الجُنُودِ فَحَسب.
فِي إصدار أَمَر:
“استَعَد”، “أطلِق النَّار“،
وَفِي جَرِّ الجُثَث
إِلَى الحُفرَةِ أَيضا، طُغْيَان.
لَيس فَقَط فِي الخَفَاءِ،
فِي البَابِ المُوَارِب،
فِي الارتِبَاكِ وَالخَوفِ،
فِي تَهَامس الأَخبَار.
فِي ترددهَا أَمَام الفَمِ،
فِي إِشَارَةِ “اصْمُت” لِمنع الكَلامِ،
حَيثُمَا يُوجَد الطّغْيَان،
فَهُنَاك طُغْيَان.
لَيس فِي مَلامِحِ الوَجهِ القاسية فَحسب
وَإِنَّمَا فِي تَحَجّرِهِ وَصَمتِه
كَحَدِيدِ الشبَكِ،
فِي صُرَاخِ تَأَوّه الكِفَاح.
فِي هُطُولِ أَصم
مُتَزَايِد الصمتِ لِلدمُوع،
فِي حَدَقَاتِ عُيُونِ الأَطفَالِ
الوَاسِعَةِ.
هُنَاك فِي جُنحِ الظلامِ.
وَفِي ضَجِيجِ عَرَبَاتِ السِّككِ الحدِيدِيَّةِ،
وَكَذَلِك فِي أَمَاكِنِ
انتِظَار عَرَبَاتِهِم لَدى البوابةِ.
فِي ثنايا كلمَةِ “أَهْلا – مَرْحَبا“.
وَحَيث السُّكُون
تَشْعُر بتصنت أُذُن غَرِيبَة
فِي سَماعَةِ التلِيفُونِ،
لأَن هُنَاك طُغْيَان.
لَيس عَلَى الأَقدَامِ الوَاقِفَةِ فَحَسب
فِي زَغَارِيدِ حَفَلاتِ الزِفَافِ،
فِي نَغَمَاتِ تَرحِيبِ القَصَائِدِ وَالأَلحَانِ،
لَيس فِي عَدَم الإِجهَاد فَحَسب.
فِي تَصفِيق الأَيَادِي،
فِي دَار الأُوَبِرا
فِي نَفخِ البُوقِ،
فِي رَمَادِيَّةِ انعِدَامِ صَفاءِ
قَاعَات معرض اللوحات والرسومات.
فِي إِطَار كُل لَوْحَة
وَقَبل ذَلِك حَتَّى فِي فرشَاة الفنان،
لأن هُنَاك طُغْيَان
فِي رِيَاضِ الأطفَال،
فِي نَصِيحَةِ الآبَاء،
فِي ابتِسَامَةِ الأُمهَاتِ،
فِي تَأْتَأَةِ الأَطفَالِ لِلغَرِيبِ،
وَقَبل أَن تَهمِس لَهُ
تَنظُر لِلخَلفِ
نَاشِدة الأَمَان،
هُنَاك قَابِع
فِي قبلَةِ الوداعِ.
فِي حَدِيثِ الزوجَةِ:
مَتَى تَرجِع إلى البَيتِ يَا حَبِيبِي؟
قَابِعَة كَالعَادَة فِي الشَّارِعِ
فِي سُؤَالِهِ المُعتَاد – وَكَيف حَالِي؟
فِي سَلاسَتِهِ.
فِي شدِّه عَلَى يَدَي مُصَافِحا.
وَكَمَا فَجْأَة
يَتَجَشَّم وَجهُ حبيبتك
لأَنَّهُ هُنَاك أيضا
فِي لِقَاءِ الحُبِ أيضا.
لَيس فِي الاستِجوَابِ فَحَسب،
إِنَّمَا هُنَاك قَابِع فِي الاعتِرَافِ أَيضا،
فِي نَشْوَةِ مَعْسُولِ الكَلَامِ،
كَالذُبَابَةِ فِي خَمْرِ الدِّنَانِ(١)،
لأنَّه يُلاحِقُك فِي أَحلَامِك الليلية.
لَيس قَابعَا فِي شَخصِك،
إِنَّه فِي سَرِيرِ زَفَافِك
حتى مِن قَبل تَفكِيرك فِي الزوَاجِ،
فِي الكُؤُوسِ وَفِي أَوَانِي الطعَامِ.
هُو مَوجُودُ فِي الأَنفِ وَالفَم،
فِي الوَاقِعِ وَالخَيَالِ،
فِي الهَوَاءِ الطلق وَفِي الغُرَفِ المُغلَقَةِ،
تَمَامَا كَمَا لَو كَانَت النافِذَة مَفتُوحَة
وَتُدخل مِنهَا رَائِحَة نَتِنَة
كتَسرّبِ الغاز
مِن مكَان مَا فِي البَيت.
إِذَا كُنت تَتَحَدث مَع نَفسِك،
يَسأَلُك الطُّغْيَان،
وَحَتَّى فِي خَيَالِك أَنت
لَست حُرا طَلِيقَا.
قَد تَصِل حُدُود دَرْب التَبَّانَة فِي السماوات العلا أَيضا،
حَيث يَبزُغ النور
حُقُول أَلغَام، وَالنَّجمَة:
تَتنصت مِن ثُقبِ البَاب
خَيمَة السمَاء الصَّاخِبَة
مُعَسكَر وَاحِد لِلأَعمَال الشَّاقَّة،
لأن الطُّغْيَان يَتَفَوَّه،
مَن الحُمى، وَمَن الوَلاءِ وَالعَقِيدَةِ،
مِن الكَاهِنِ، مِن اعتِرَافِك بِالذنوبِ،
مِن عِظَات وَصَلَوَات
دور العِبَادَةِ، وَالبَرلَمَانِ، وآلات التعذِيب
وَالَكَثِيِر مِن المَسَارِحِ.
يَتَعَرَّج البَرق، هَكَذَا هُو
فِي كُل شَيء غَير مُتَوَقَّع
فِي صَخَبِهِ، فِي ضَوئِهِ،
فِي حيرَةِ قَلبِهِ،
فِي الهُدُوءِ،
فِي قُيُودِ الحَنَقِ الآَسِرِ،
فِي انهِمَارِ المَطرِ
فِي قُضْبَانِ شَبَكِ السِّجنِ المُمتَدِ لَعَنَانِ السَّمَاءِ.
إِنَّه قَابِعُ هُنَاك، فِي كُل صَوبٍ وَحِينٍ،
مَوجُود فِي غَدِك،
فِي أَفكَارك،
فِي كُل حَرَكَاتِك،
كَالمَاء وَهُو فِي مَجْرَاه،
تَتبَعُه وَتَخلقه.
تَتَطَلَّع لِلخُرُوج مِن هَذِه الحَلقَة
وَهُو يَنظُر إِلَيك مِن المِرآَة،
يُرَاقِبُ، يَتَسَلَّلُ، بِلا جَدوَى مُسرِعَا تَتحَرَّك
أَنت أَسِيرُ، وَفِي نَفس الوَقت مسيطر عليك.
قَابِع فِي مَذَاق سِيجَارك،
فِي قمَاش ثِيَابِك،
فِي شَرَابِك، فِي طَعَامِك،
حَتَّى النخَاعِ قَابِع فِيك
فِي نَمَاء حَيرَتَك.
وَمن أَفكَاره فَقَط يرتوي عَقلِك،
تُحِب الاطِّلَاع، لَكِنَّك
لا تَرَى إِلا السِّحر الَّذِي وَضَعَه أَمَامَك.
وَكَان قَد لَفَّ الغَابَة حَرِيق
مِن عُودِ ثِقَاب،
رَمَيتُه على الأَرض
لَم تدهسه وَلَم تطفِئه،
وَهَكَذَا صَار هُو الآَخَر يَتَتبَعك
فِي المَعمَل وَالحَقل وَالمنزل.
وَمَازِلت لا تَعرِف طَعم الحَيَاة،
مَعنَى اللَّحم وَالخُبز،
مَعنَى أَن تُحِب، وَأَن تَعشَق،
أَن تبسط ذِرَاعَيك.
أَنت أَسِير سلاسلك وقيودك.
هَكَذَا، صَنعتَها بِنَفسِك وَحَمَلتَها بِنَفسِك،
فَأَنت تَأكُل، وَيَنمُو وَيُقَوِّي جَسَدَه هُو،
وَابنك يُنجِب لَه عَبدا آخر.
حَيثُمَا يُوجَد الطغْيَان:
كُل فَردٍ بِمَثَابَةِ حَلقَة فِي سِلسِلَةِ الطُغْيَانِ،
تَنْبَعِث مِنكَ رَائِحَة نَتِنة،
أَنت نَفسك أَيضا صِرْت طُغْيَانا.
حَيثُمَا يُوجَد الطُغْيَان،
كُل شَيء لَيس لَه مَعنى،
حتى الأغاني، ليس لها معنى،
فهَكَذَا يكون الوَلاء لِلسلطَان،
فِي أَي عَمَلٍ كَان، لأَنَّه يَسْكُن فِيه
مِن اللحظَة الأَولى لَدَيك فِي المَدفَن،
هُو يَقُول لَك أَنت مَن، وَكُنت مَن،
إِنَّه لا شَئ آخَر سِوَى الطُغيَان.
(١) المفرد الدن وهو برميل أو وعاء ضخم للخمر والخل ونحوهما. ولمزيد من التوضيح، يقول عنترة ابن شداد: وغيبَ رشدهم ْ خمرُ الدنان … وإن طَرِبَ الرِّجالُ بشُرْبِ خَمْرٍ & ولا أُصْغي لِقَهْقَهة ِ القناني.. فَرُشْدي لا يُغيِّبُهُ مُدَامٌ. [المترجم].
