اللوحة: الفنان الفرنسي جين جوليان
تمنيت كثيراً -ولم أزل- أن أكون برجوازياً من “تولوز“..
فهذا البرجوازي ـ كما يحكى “أنطوان دى سانت أكسوبرى”، هو الرجل “الآمن”، الذى لا يطرح سؤالاً إلا وجد إجابته على نحو مريح..
ولكنى وجدت – بحكم ضعف قوتي وقلة حيلتي – أن هذه الأمنية صعبة جدا، بل مستحيلة فعلا، فتمنيت أن يكون لي عقل كعقل العجائز، فهذا النوع يهبني السكينة، ويريحني باستسلامه النبيل من عذاب الأسئلة.
لكن.. من أين للإنسان هذا الأمان، ومعظم الحياة أسئلة معلقة، وأبوابٌ مغلقة، بل هى فى كثير من خريطة الأرض، أثوابٌ من النيران.
إن الحياة، نفسها ليست إلا علامة استفهام ضخمة كالخطاف، تتدحرج بين عينى الإنسان حيثما التفت؟
بعض العارفين يعلقون بأنهم ينفرون من هذا النموذج “الآمن”، الذي رسمه “أكسوبرى” ويرون أن حالة التوتر والقلق الناجمة من جحيم الأسئلة، هي التي تمنح مفاتيح الدخول إلى جنة الإجابة، فليست إنجازات الإنسانية الكبرى، إلا الإجابات السعيدة عن الأسئلة التى شقيت بها العقول الكبيرة، بل يعتقد العارفون أن “السؤال” هو الأصل في النموذج السليم للإنسان، فالطفل لا يكاد يتعلم النطق، حتى يحاصرك بالأسئلة، والفيلسوف الحق، ليس إلا طفلاً لم تنطفئ براءته بعد، ولذا فهو ما يزال قادراً على الدهشة التي تفجر الأسئلة، وتستخلص الإجابة من بين حطام الليالي التي هرب منها النوم.
خبراء الذكاء الصناعي المشتغلون في ثورة المعلومات في هذه الأيام، يؤكدون أن “الذكاء” ليس إلا القدرة على طرح الأسئلة، وهم يعرفون الذكاء بأنه هو “القدرة على التفتيت حتى لا يبقى شىء”، بل هم غير مشغولين بالوصول السريع إلى الإجابة فما دام السؤال عاقلاً، فسوف يأتي من يجيب، والأمر عندهم يمكن ـ إذا جاز التشبيه ـ أن يكون مثل ثمرة “الكرنب”، ورقة تلتف على ورقة فوق ورقة ملتفة على ورقة، فإذا انتهيت إلى الأخيرة، لم تجد شيئاً، فهذه الأوراق هي الأصل وهي المطلوب، وحسبك أن تمتعت بعقل قادر على القلق والأسئلة، لأن البديل الصمت وهو البلادة وهو الصدأ !
الأديان نفسها تؤكد أن الأسئلة، سبقت خلق “آدم” صلى الله عليه، ولاحقته في الجنة، ثم حاصرته وألجأتْه ونسله إلى شعاب الأرض، فمنذ سألت الملائكة ربها في حيرة “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء”؟، لم تتوقف الأسئلة عن الصلصلة في رؤوس أبناء آدم… ولا أظنها..
ولأن الله سبحانه يعلم من أمر خلقه ما يعيشونه من جحيم الأسئلة، فقد شاءت إرادته الرحيمة أن ينقذهم من بعض أسئلتهم.
فوجه إليهم التحذيرات بأن يقصروا أسئلتهم وأجوبتهم الخطرة حول مخلوقات الله لا حول الله ذاته حتى لا يهلكوا، وألا يسألوا عن أشياء إن ظهرت لهم فإنها تسوؤهم، إذ قد يسأل الإنسان فيما يظنه خيراً، وهو الشر عين الشر.
فعين الخير للسائل إذن، ألا يجاب إلى ما سأل، ولهذا كان من أشهر دعاء محمد صلى الله عليه، “اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين”، وكان من أشهر دعاء نوح “رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم“!!
ولأن الله جل علمه يعرف الفطرة التي فطر الناس عليها، وكيف تثقل بهم طبيعتهم المادية التي هي نصفهم الظاهر إلى الأرض، فيشغفون بكل ما هو مادى فقد أراد أن يحميهم من طغيان المادة وقوانينها العاصفة، وانظر عزيزي القارئ ـ إلى بطش قوانين المادة بالقيم الروحية في حياة الإنسان المعاصر، وتأمل اغتراره بقدرته على اكتشاف قوانين الفيزياء والأحياء والأرض، ـ مع أنه ليس له فضل أكثر من ” كشف الغطاء” عما هو موجود فعلا..ـ عصف به الغرور، فلم يسأل السؤال الأهم قائلا : من أودع فى المادة هذه القوانين، وكان حرياً به أن يطرح ذلك السؤال الأساس، حتى لا يذهب في صحراء الضلال والجهالة التى انحدر إليها المتقدمون أكثر من المتخلفين فى عصرنا، لقد زرع الله في طريق الإنسان آلاف اللافتات الضخمة ليسأل الأسئلة الهادية، وتجلت هذه اللافتات في الكثير الكثير من تجليات الحياة عبر الزمن وإلى يوم القيامة.. وهو يلفت إلى الشيء بقوة، ثم يعقب: “إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”، “لقوم يعقلون”، “لقوم يؤمنون”، “للعالمين”، الخ. وعلى سبيل المثال فقط، فإننا نرى الله سبحانه يبطل قانون الإحراق لسيدنا إبراهيم، فإذا النار برد وسلام، حتى لا يغتر الناس بالمادة، ويبطل قانون الإغراق في الماء لسيدنا موسى، ويبطل قانون التكاثر لسيدنا عيسى، ويبطل قانون الزمان والمكان ليلة الإسراء والمعراج لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ـ ثم بعد الأنبياء، يترك آلاف اللافتات تنادي من كان له قلب أو عقل، ليسأل الأسئلة، التي تنقذه من تيه الضلالة، لعله يجيب وحده.. “ليس إلا الله”: من ذا الذي يخرج اللبن نظيفاً أبيض، طازجاً، مدهشاً، معقماً، من بين قذارتين هما الفرث والدم داخل البقرة؟
ومن ذا الذي يحول أحزان الأصداف تحت البحر لؤلؤاً، حين يهاجمها المرض فتحاصره المحارة بكلسيَّاتٍ هي التي تصبح بعد حين لؤلؤًا فاتنًا؟
ومن ذا الذي يحول الصديد والقيح داخل حوت العنبر، حين يهاجم المرضُ بعض أحشائه، ليخرج منه هذا الدهن المدهش النفيس الذي يقاوم الشيخوخة؟ ومن الذي صنع كذا وكذا مما لا ينتهى من آيات الله في خلقه الذي تحت أيدينا فضلاً عما وراءه؟
لقد أرادت الحكمة الإلهية العالية، أن تكسر قوانين المادة أمام الإنسان كل يوم، حتى تلفته بقوة، كي لا يقع في الفتنة بها، فتقوم هي حائلاً بينه وبين الله فلا يزيد في الحياة إلا توتراً، ولا يزيد صدره ومعيشته إلا ضنكاً، وبذلك يصبح كل ما أنجزه من أشكال الثروة والتقدم وهْماً يمزقه بالتوتر ولا يحقق له الأمان، ولا يضيف إلى روحه إلا عتمة مطبقة، وشقاء لا يزول.
اللهم يا مَنْ وَسِعْتَ كلَّ شيء رحمة وعلماً، نسألك أن تنفعنا بما علمتنا.. وأن تعلمنا ما ينفعنا.. حتى لا تضربنا أمواج التكنولوجيا بقوانينها المادية الغليظة، فنذهل عن الذي أودع في المادة قوانينها، وعلم الإنسان التكنولوجيا وقوانينها، ذاهلين عما التفت إليه العربي البدوي البسيط ” قـُسّ بنُ ساعدةَ الإياديّ “بفطرته الصافية، حين أدرك أن البعرة تدل على البعير، وأن القدم يدل على المسير، وأن الكون الباهر بإعجازاته المدهشة، يدل على اللطيف الخبيرْ.
دمت بعيد البصر والبصيرة يا أستاذنا المفكر الجليل
مقالة ترى الإنسان من داخله فتثير الأسئلة الكبرى وتجيب عن كثير منها، أسعدتني كثيرا
إعجابإعجاب
ما شاء الله ، سلمت يمينك ، كاتبنا الكبير، وشاعرنا المبدع، أستاذنا د. سعيد، فصراع الأسئلة التي تدور في داخلنا، والدهشة التي تنتابنا في بعض الأوقات، هما من أعظم متع الحياة، لكن لحظات سكينة العجائز التي بدأتم بها أحيانا تكون مطلوبة، بل ضرورية، حينما يعجز العقل، ويريد أن يسلم الوديعة لخالقها، وهذا سر الجملة البديعة التي ثبتت عن الإمام الرازي وإمام الحرمين الجويني وغيرهما بأنهم يموتون على (اعتقاد العجائز).
مقال رائع بديع.
إعجابإعجاب
مقال رائع حقًّا، تبدو فيه ثقافة الشاعر الدكتور سعيد شوارب – العميقة المتنوعة، بارك الله عمركم ورزقكم العافية والقبول.
إعجابإعجاب