عش صغير

عش صغير

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان الألماني هوبرت سالنتين

متى أراك بفستان مثل صديقاتك، عملك الشاق وسط الرمال والغبار والحجارة أفقدك جمالك وأنوثتك“.

وصلة توبيخ ولوم يومية اعتدت عليها من أمي التي كانت تعد علي أنفاسي وترصد تحركاتي، وتصوب نحوي بقسوة سهام لسانها السليط الذي يلدغني بعبارات مهينة.

كان رجوعي إلى البيت يعكر مزاجي، فقبل استبدال ملابسي أستمع إلى”موشح” من الأسطوانة المشروخة عن أهمية الزواج والاستقرار، ولا يتوقف حديثها إلا بصرخة مدوية أطلقها بعفوية عن رفضي الارتباط بطريقة تقليدية.

ترقيت في عملي خلال أعوام معدودة، وحققت المعادلة الصعبة بأن أصبح مسؤولة قوية في قطاع كبير بمؤسسة للتصميمات الهندسية والإنشاءات، وفي الوقت نفسه محبوبة، ولم ألتفت إلى إطراءات كثيرين ومحاولات أغلبهم لتقليص حدود المسافة التي أضعها أمامهم، ولا أسمح بتخطيها.

لم اتوقف إلا أمام شاب نحيف التحق حديثا بالإدارة التي أعمل بها، كان يخفي خجله خلف نظارته الطبية، وفي المرات القليلة التي التقينا فيها كان يطلب الحديث بأدب جم، وكنت اتأمل سمات وجهه التي يسيطر عليها الهدوء.

الحاجز الذي وضعه بيننا أثار حفيظتي، وتساءلت من أي نوع هذا الشاب؟ ألم يلحظ وقاري واهتمام الجميع بي لماذا لا يتقرب مني؟

 شهور أنتظر أن ينطق لكنه ظل على حاله صامتا، ولم تكن مواقفه معي مفتعلة، فقد لاحظت أنه الأسلوب نفسه الذي يتبعه مع كافة الزملاء في العمل.

انتبه بالكاد لنظراتي نحوه التي تحمل اشتياقا ولهفة لمشاعر وأحاسيس صادقة دفنتها أعواما، وتفرغت خلالها فقط للعمل، ولم أشعر بصدقها إلا عندما تعلق به قلبي.

وبعد يوم طويل شهد اجتماعات عصيبة تطورت إلى مناقشات حامية، طلب تناول الغداء في مكان قريب من العمل، تظاهرت بالهدوء وتمالكت أعصابي، بينما كانت تسري في أوصالي دفقات حارة من السعادة.

تحدث عن أسرته الفقيرة وطموحاته العريضة، وصارحني بحبه، وبرر كتمان إحساسه وصمته بالخوف من أن يعرقل الزواج أحلامه بتبوء منصب كبير، فوعدته بأن أقف بجواره وأسانده، ووعدني بأن العش الذي سيحتوي حبنا سيصبح يوما بالجهد والتعب قصرا.

 وللمرة الأولى أفتح نافذة غرفتي في الصباح لأسمع زقزقة العصافير وغناء البلابل على الأغصان بأجمل الألحان.  

عشت أعواما في أمان، أنهل عطفا من نهر حنان زوجي، ثم قررت الاستقالة من العمل وسط دهشة زملائي الذين كان طموحي يبهرهم، وكانت كل خطوة يخطوها زوجي لمنصب أكبر نجاح لي، فآثرت التفرغ لتربية الأبناء.

وفي صدمة لم أتوقعها بدأت تجف ينابيع مشاعره، وتحولت الرومانسية إلى جفاء، وصارت الوحدة تقتلني لكثرة غيابه، ورغم كل ذلك لم أشعر بالقلق إلا عندما نسي تاريخ عيد زواجنا حينها تأكدت أنني أصبحت على هامش اهتماماته.

بحثت عن أعذار لتغيره فأقنعت ذاتي بمعاناته النفسية إثر ضغوط الحياة ومسؤوليات العمل وتقدم العمر، حاولت منح عواطفنا جرعة جديدة تنعش الحب تعبت من مطالبته بالحصول على راحة لالتقاط أنفاسه فرفض، وأصم أذنيه عن احتياجي إليه، وعمق جراحي عندما أخبرني بأنه سيغيب فترة لارتباطه بمهمة عمل بالخارج.      

شعرت بالحنين إلى العش الصغير الذي شهد بدايات زواجنا، وبدون تفكير قادتني قدماي نحوه لقضاء لحظات أبحث فيها عن أحلام ماتت، كان العش شقة متواضعة لكن دفئها يهزم بردوة القصر الذي أعيش فيه الآن.

 أصابني الرعب بعدما فتحت الباب، سمعت أصواتا بالداخل تتبعتها بحذر شديد حتى غرفة النوم، وجدت زوجي بأحضان سيدة على السرير الذي رفضت بيعه وأصررت على الاحتفاظ به؛ لأنه يذكرني بأجمل ليالي عمري.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.