د. بلقيس بابو
اللوحة: الفنانة الكويت هاجر عبد الرحمن
أدخل عيادتي صباحا، لمحت سيدة شابة تجلس في قاعة الانتظار وإلى جانبها تجلس طفلة تقارب العشر سنوات، من ملامحها ندرك فورا أنها واحدة من بعض الأطفال الذين يعانون من خلل جيني معروف لدى الجميع بالثلاثي الصبغي أو متلازمة داون.
متلازمة داون مرض وراثي يسببه الانقسام غير الطبيعي في الخلايا مما يؤدي إلى زيادة النسخ الكلي أو الجزئي في الكروموسوم 21. وتسبب هذه المادة الوراثية الزائدة خللا في النمو والملامح الجسدية التي تتسم بها متلازمة داون.
تتفاوت متلازمة داون في أعراضها بين المصابين بها، مما يتسبب في إعاقة ذهنية وتأخرٍ في النمو مدى الحياة. إنها أشهر اضطراب كروموسومات وراثي، وتسبب إعاقات التعلم لدى الأطفال وتشوهات في القلب والجهاز الهضمي.
ما أثار انتباهي أن الصغيرة تبدو هادئة على غير عادة الأطفال من هذه الفئة.. لا بد أنها متعبة ..توالت الحالات، ولست أدري لم كنت أتوقع أنه دورها في كل مرة.
بعد بضع دقائق دخلت عليَّ مكتبي رفقة والدتها، بعينيها حب وتودّد غريبين، سألت أمها عن سبب الزيارة رغم أني أتوقع تشخيصات كثيرة واردة عند الأطفال الذين يحملون هذا الخلل الجيني، فأخبرتني أن مريم أصبحت دائمة التعب، لم تعد نشيطة كما كانت في طفولتها الأولى، وأنها لاحظت أن شفتيها تزرقان حين تحاول القيام بمجهود غير اعتيادي.. قامت مريم من مقعدها وأتت إليَّ، قبَّلتني على خذي وعانقتني أمام استغراب أمها وذهولي.
رافقتهما إلى قاعة الفحص وأجريت كل ما عليَّ القيام به لتشخيص حالة الصغيرة، وهنا لمَّا توضح لي ما تعانيه، سألت الأم لم كان كل هذا التأخير؟ علما أن جل الأطباء اختصاصيي طب الأطفال يوجهون الأطفال الحديثي الولادة الى زيارة طبيب أمراض القلب كلما صادفوا حالة من متلازمة داون لأن نصف الحالات تقريبا تحمل عيبا خلقيا في القلب بدرجات متفاوتة.. طأطأت رأسها وأخبرتني بصوت خافت وخجول: العين بصيرة واليد قصيرة دكتورة.. لم أردف كلمة.. ليس لي ولمثلي إمكانية حل مشاكل الفقر والتغطية الصحية وغيرهما، الأمر أكبر منِّي بكثير…
عدنا الى مكتبي، حررت تقريرا عن حالة الفتاة، وما إن أخبرت أم مريم بأن ابنتها تعاني من ثقب في عضلة القلب وتحتاج إلى عملية جراحية حتى انهارت بالبكاء، وأخبرتني أن امكانياتهم المادية لا تسمح حتى بتوفير القوت اليومي.. انفطر قلبي ولكني مجبرة على الحفاظ على تماسكي ورباطة جأشي خاصة أن مريم تأتي بمحاذاة كرسيي وتمسك يدي، كأن صوتا بداخلها ينادي ويطلب المساعدة.
انتهت الزيارة ووصفت لها ما يلزم من أدوية، تركتا الغرفة وأمل بداخلي يقول: ليجعل الله خيرًا، ليجعل الله خيرًا..
في آخر اليوم وقبل أن أغادر قمت بالعشرات من الاتصالات، أرجو هذا وأتوسل إلى ذاك، نشرت نداءً على صفحتي بالمواقع الاجتماعية، ناشدت بعض الجمعيات… لا شيء.. التجاوب ضعيف وتكلفة العملية كبيرة جدا .
تتصل بي الأم بين الحين والآخر، أخجل من أجابتها أني لم أستطع فعل شيء.. خلال عشرة أيام لم أوفَّق إلا في جمع عُشُر المبلغ من بعض المساهمات الخجولة…
مرّ ما يُقارب الشهر، ودَنَا موعد زيارة مريم لعيادتي، كيف سأقوى على النظر إلى عيونها المتوسِّلة؟
أنام هذه الليلة وفي قلبي ألمٌ ودعاء.. في الصباح، وأنا أحضر نفسي لبدء يومٍ جديد، رنَّ هاتفي …
– آلو دكتورة، صباح الخير ..
–صباح الخير.. الحاج محمَّد.
–كنت قد أخبرتني أن هناك طفلة تحتاج إلى عملية بقلب مفتوح
– أجل بالفعل
– اتصل بي شخص أراد التكلف بمصاريف العملية كلِّها، سأوافيه برقم هاتفك لتُنَسِّقي معه.
لا يمكن وصف كمِّ السعادة التي شعرت بها يومها، وزاد يقيني في أن إرادة الله تبقى فوق كل شيء… أجريت العملية، كُلِّلت بالنجاح وتمَّ ترميم كل العيوب في قلبها.
مرت أربع سنوات من يومها، تعافت مريم وصارت مراهقة رائعة، ودودة ومعافاة ولم تتخلَّ قط عن براءتها، تعانقني بنفس الحرارة كل ستة أشهر.