محمود عبد الصمد زكريا
اللوحة: الفنانة المصرية نرمين حكيم
خانوك جميعا ً
والبوريُّ دعاك وجندك للساحة.. (فوزي محمود خضر)
***
مريني
وشُلت يميني
إذا ما اختبأت بلحظة صمت ٍ
أفكر فيما أمرت ِ.. (عبد المنعم سالم)
***
الرحلة ُ المستضيئة بالعزم
لا تنتهي
غير أني أدوس انكساري
وأشرب صفو انتصاري
من ومضة ٍ في جبين الجواد.. (احمد محمود مبارك)
***
كوكبة من الشعراء السكندريين التزموا وسط المد الهروبي لمعاصريهم أو مجايليهم في أقاليم أخرى من البلاد؛ رغم صرامة الواقع واحباطاته ومفارقاته وتجاوزاته بالصدق في التعبير عن هذا الواقع.. فعندما تكون الشجرة نبتا طبيعيا لتربة حقيقية خصبة طيبة؛ وتتوفر لها عناصر الحياة والنمو والازدهار مثل ما حدث مع هذه الكوكبة.. فإنه من غير شك ستضرب هذه الشجرة بجذورها في أعماق تربتها؛ وستطاول قامتها عنان السماء..
وسوف تؤتي أكلها كل حين باذن ربها…
وبعدُ..
فإذا كان المتتبع لمسيرة الفنون الإنسانية منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي لا شك يبدهه ما امتازت به هذه المسيرة من حراك فكري ومعرفي هائل؛ ومن صلات شابكة بين أجناس الفن.. شعر / قصة / تشكيل / موسيقا / سينما… الخ علي نحو أزاح الحدود الفواصل بينها؛وسلط الأضواء علي مناطق التقاطع التي لا يمكن لفن واحد بدونها أن يستقل بالنظر؛وأبرز من الإشكالات المعرفية ما يفوت المتتبع الحريص؛فهكذا انسلت المذاهب والنظريات من حدبها؛ونزت بينها نوازي الخلاف المنهجي؛وأنتجت من الأسئلة فوق ما قدمت من إجابات؛ ومضي الأمر علي هذا السحب والجر حتى غدت الإحاطة بدقائق الخريطة المذهبية للفن والشعر خاصة غاية يكاد ينقطع دونها الدرك.. وكان ذلك؛ وما يزال هو الشأن علي العدوة الفنية القصوي؛ فماذا عن أمرنا نحن علي هذه العدوة الدنيا؛ أعني ما ذهبنا إليه من:
إطلالة على ارهاصات الثورة في الشعر السكندري لجيل السبعينات؟
أقولُ.. وكم يبدو قولي هذا صادقاً.. أنه إذا كان الصراع بين هذا الجيل ومن سبقه أيديولوجياً – كما أبرزته جميع النقاشات والمقارنات – فقد كان بالتالي صراعاً سلطوياً أيضاً بالدرجة الأولى حيث ” السلطة والأيديولوجيا تؤمان لا ينفصلان؛ يحنو أحدهما على الآخر ويحافظ عليه؛ فالسلطوي يتخذ من الأيديولوجيا طريقاً ويجعلها له وجاء؛ فيما يمارس باسمها متعة لا تعد لها متعة؛ إنه يقصي ويخصي.. يتهم وينفذ حكم الإعدام ويجعل نفسه حارساً أميناً على رحم الكتابة.. إنه ينطوي على غبطة كمال مركزي؛ متعة كمال الفكر الإنساني.. ” (1)
(بحسب رولان بارت؛ لذة النص ترجمة د / منذر العياشي – حوار / نادر السباعي ص13)
لذا فقد كان كلا منهما في محاولة مستمرة لاعتقال القارئ ليجعله يكرر رؤيته هو ويعتنق أيديولوجيته..
وشخصيا ً أرى أن هذا المصطلح؛ أو هذا التقسيم ملتبس وغير صحيح إلى أبعد الحدود؛ فإذا ما نظرنا إليه على أساس تاريخ النشر – كما ذهب إلى ذلك معظم النقاد – فسوف نجد الكثير جدا ً ممن بدأوا في التواجد القوي كأصوات متميزة وفاعلة في وسطها ولم ينشروا أعمالهم إلا بعد مضي أكثر من عشر أو حتى عشرين سنة فكيف ننظر لهولاء مع نظرتنا لمن ظهر ونشر في خمس سنوات أو أقل؟!!..
وإذا ما نظرنا إلى مجموعة سمات فنية أو توجهات أيدلوجية نوعية تواشج بين مجموعة أسماء لتضعهم ضمن جيل ما فسوف نفاجأ باختلافات أكثر حدة علي مستويات اخري وقد يضطرنا ذلك لنضع في سلة واحدة أشخاص بينهم فوارق كبيرة في الخبرة والعمر والدور الثقافي.. الى آخر هذه الإشكاليات.. لا أريد أن أسهب في هذا الموضوع أكثر من ذلك حتى لا يجور أو يطغى علي موضوعنا..
وإذا ما كان لنا أن نعود إلى اسكندرية السبعينات فثمة موعد لنا إذن بنادي الأدب بقصر ثقافة الحرية ويفرض عنوان القراءة يوم الأحد من كل أسبوع أي يوم نادي الشعر على وجه الخصوص.. لنلتقي بحسب التقسيم المزعوم مع ثلاثة أجيال يطيب لي أن أطلق على أولهم جيل الرواد أو الآباء.. وثانيهم جيل الوسط.. وثالثهم الجيل الجديد وبمقاربة هذه التسميات بالتقسيمة المزعومة يكون المقصود بجيل الرواد أو الاباء هو جيل الستينات وما امتدت جذوره منهم للخمسينات ونذكر منه أسماء على سبيل المثال لا الحصر الأساتذة الشعراء: عبد العليم القباني وأحمد السمرة وعبد المنعم الأنصاري ومحمود العتريس ومحجوب موسى وعلي الباز واداور حنا سعد وحسين العياط وعزيزة كاتو؛ وغيرهم..
وقد امتاز هذا الجيل بداية ً بنهوضه الفذ بحركة الشعر بالإسكندرية مع بداية ما سمي حينئذ بمؤسسة الثقافة الجماهيرية والتي تحولت فيما بعد للهيئة العامة لقصور الثقافة هذا من الجانب التأريخي…
أما من الناحية الفنية والأيدلوجية النوعية فقد اتسم هذا الجيل بأصوليته في الغالب الأعم وإنتاجه للقصيدة المحافظة – إن صح التعبير – فأنا لا أميل بطبعي لتسميتها بالقصيدة التقليدية – كما يذهب إلى ذلك معظم النقاد والباحثين – لا لشئ إلاّ لأدرأ عنها شبهة التقليد والمحاكاة مما من شأنه أن يعريها من سمات الإبداع فغلب على خطاب هؤلاء الشعراء خروجه أو إنجازه في القالب العمودي وقل منهم من أنتج بعض قصائده في الشكل التفعيلي أو راوح بين الشكلين في النص الواحد.. وأقول: قل ولم يندر أو يعدم أو يختفي حيث كتب محمود العتريس ومحجوب موسي وعزيزة كاتو وغيرهم في هذا الشكل التفعيلي وأجادوا وأبدعوا.. لكنهم جميعا كانوا اشد حرصا على؛ ودفاعا ً عن القصيدة العربية في نسقها الموروث وأكثر ارتباطا والتصاقا ً بالجذور والتراث العربي وأقل انفتاحا على آفاق التجديد إلا بحساب دقيق واضعين حرصهم وقلقهم علي مستقبل اللغة العربية ضمن هذا الحساب خصوصا أن بعض ادعاءات التجديد في ذلك الحين كانت تأتي من منطلق المخالفة فقط وبحسب مقولة (خالف تعرف) وتبلورت منازع مثل.. الجنس والدين والسياسة.. علي أنها تابوهات فراح بعض الأدعياء أو متعجلي الشهرة إمّا إلي خطابات التشبيب والغزل غير العفيف؛ بل إلى كتابات أيروتيكية عارية أحيانا ً.. وإما إلى خطابات تجدف على الدين وتسخر من القيم والعقيدة بل وتتطاول على الذات الألهية فكان التصدي لهؤلاء من أشد التبعات التي تحملها هذا الجيل ونهض بدوره خير نهوض..
أمَّا عن السياسة فقد حاول هذا الجيل جاهدا ً تجنب وضوح الدافع القومي خلال خطابه الشعري.. لاجئا ً عادة ً إلى الرمز أو المعادل الموضوعي وبدا الرفض عنده في صورة شكوى وبدت الذات الشاعرة منكسرة أو محبطه وهي تتوسل أو تتسول الغد والوطن؛ وتشيأت مصر؛ أو القيمة – الحق أو الخير أو الجمال أو اليوتوبيا – في جل خطاباتهم على أنها الأميرة أو الملكة أو الحبيبة المعشوقة التي لا تطال أو التي دونها آلاف العراقيل والمخاطر..
يقول عبد المنعم الأنصاري:
أسعى إليك؛ وقدامي قرابيني.. على طريق ٍ إلى مغناك يدنيني
لكنني كلما أفلت من شبح ٍ.. يلوح لي شبحٌ أعتي فيقصيني
جوعان من لي سواك الآن يطعمني… ظمآن من لي سواك الآن يسقيني
وليس إلا إزارٌ منك يسترني.. إذا رياح الأسى هبت تعريني… الخ..(2).
(من قصيدة قرابين)
خلاصة القول عن هذا الجيل باختصار وأدب جم تفرضه واجبات التحضر والثقافة أنه جيل مبدع ومُعلِّم وقد نهض بأمانته كدرع وحصن في مجاهدة المد التغريبي والغزو الثقافي الذي تعرضت له البلاد في تلك الفترة…
أمّا عن جيل الوسط.. أو الجيل المعنيّة به هذه القراءة تحت مسمى جيل السبعينات؛ وبغض النظر عن الإلتباسات التي أشرنا إليها والتي يثيرها هذا المصطلح فنستطيع أن نبلور منه أسماء علي سبيل المثال لا الحصر مثل الأساتذة الشعراء: صبري أبو علم – أحمد عبد العظيم الشيخ – فوزي محمود خضر- فهمي ابراهيم – – أحمد محمود مبارك – عبد المنعم سالم – عبد الحميد محمود – سعيد نافع – رمضان الصباغ وغيرهم..
وقد امتاز هذا الجيل بداية ً؛ وفي الإسكندرية تحديدا ً دون غيرها من أقاليم مصر بالجمع بين القديم والجديد دون خصومة حادة ظهرت ملامحها وتعالت نبرتها عند مثيله في القاهرة مثلا ً – كما أشرنا من قبل – حيث نجح هذا الجيل في إذابة هذه الخصومة واشرئب برأسه لإنجاز المصالحة؛ يقول أحمد مبارك:
إنه والدي
ظل رغم كهولة عمري
ورغم المنون
شاخصا ً في رؤاى
ومرتسما ً في وميض العيون
ظل نقشا ً علي صفحة القلب
ليست تواري ضياه السنون
ظل جذرا ً عفيا ً
يروي نداه البراعم
ينعش قلب الغصون. (3).
(من قصيدة والدي – ديوان في ظلال الرضا – ص 14)
ووازن هذا الجيل في طرحه الشعري بين الشكلين العمودي والتفعيلي دون تغليب انتقائي لأحدهما على الآخر وكتب قصيدته في الشكل الذي اختاره مضمونها دون تعسف أو لي لذراع الشكل ليحتوي الموضوع أو الموضوع ليجبره على الإنصياع للشكل.. غير أن ضرورة مواكبة الأحداث قد دعته ليغلب روح التمرد والرفض والثورية والإشارة بإصبع الإتهام أكثر من ارتداء روب الدفاع.. حيث الإنسان المتمرد ببساطة هو إنسان يقول: لا لأنه يرفض لكنه لا يتخلى حيث هو هو الذي تعود قول نعم أيضا ً.. لكن حينما يجد نفسه قد تحول إلى عبد ألف تلقي الأوامر طيلة حياته ثم يجد أن الأوامر الجديدة الصادرة إليه غير مقبولة فإنه يخرج متمرداً على سياق عبوديته ليعبر عن رفضه بهذه ال (لا).. إن هذه ال (لا) تعني أن الأمور التي كانت مقبولة إلى هذا الحد أصبحت غير مقبولة أو أن الأمور أصبحت مرفوضة عند هذا الحد.. إنها تعني أنك ايها الآخر قد غاليت كثيرا ً في تصرفك حيث بت لا تطاق.. أو أن ثمة حد يجب ألاَّ تتخطاه.. هي إذن رفض قاطع لتعد لا يطاق مع يقين بوجود حق صالح وبصورة أصح… وإذا شئنا نماذج للتدليل فاسمحوا لي أن أختار ثلاثة دواوين لثلاثة شعراء هم على الترتيب:
ديوان فصل في الجحيم للشاعر الدكتور فوزي خضر
ديوان الآبق من حفل صاخب للشاعر عبد المنعم سالم
ديوان في ظلال الرضا للشاعر أحمد محمود مبارك
يقول فوزى خضر:
تبيعين وجهي َ
(من يهب ُ القادمين مواسمهم؟)
تتقلص فوق الفروع البراعمُ
تُسقطني هامة ُ النبت
فاشتعلي يا رؤوس النخيل بشيبك
ضاعت تواريخك؛ ارتطمت في جذوعك أغنية الغد
فارمي بطرحك – هذا المساء –
ولا تجعلي التمر ينضج للأوجه الخائنة. (4).
(من قصيدة المواسم تقطب جبينها ص 44)
ويقول في موضع ٍ آخر:
نبدأ الآن – يا زمنا ً ضيقا ً – بعناد ٍ جديدْ.
نرفع الراية المستحيلة
عابرين صحارى الليالي البخيلة
هو بدء خطاي لعمر ٍ من الحقل ِ
أو هو موت ٌ علي الطرقات الطويلة؟!
(من قصيدة نرفع الراية المستحيلة ص 54)
ها هو الشاعرالثائر فوزي خضر (يرفع الراية المستحيلة) وهي ليست راية العصيان أو التمرد.. هو لا يرفع السلاح ولا يأمر برفعه – دون فعل حقيقي منه – كم فعل أمل دنقل مثلا (أرفعوا الأسلحة؛ واتبعوني) وذلك فرق بيّن بين المشروعين الشعريين علي كل من المستويين الفني والإيديولجي (الفكري)؛ فحين يرفض أمير شعراء الؤفض / أمل دنقل نراه يضع رفضه عادة؛ بل دائماً على ألسنو شخوص تراثية يستدعيها لتجربته (الشيطان – سبارتاكوس – عنترة – كليب – اليمامة.. الخ) إنه يرفض من الخارج؛ من مسافة ما – دون أن تشتبك الذات بفعل الرفض نفسه -.. أمّا / فوزي خضر حين يرفض فنرا يلغي هذه المسافة لتكون الذات فاعلة لفعل الرفض؛ ولنسمعه يقول على سبيل المثال:
غولٌ يتمطى في دربي
ناباه عتيان
ناباه جيشان..
هذه هي حالة الرصد من الخارج التي ربما يقف إزائها أمير الرفض أمل دنقل ثم يستدعي للإشتباك معها شخوصه التراثية؛ في حين نجد فوزي خضر لا يستدعى سوي ذاته ك
وأنا..
أقطع بذراعي اليمنى
ساعدي الأيسر
أرفعه في قبضتيَّ اليمنى
وأشير به: لا….
إنه يريد أن يتوحد كلياً مع الخير الذي ثار من أجله: عمر ٌ من الحقل
إنه يؤثر أن يموت عزيزاً رافع الرأس على الطرقات الطويلة؛ ولا أن يعيش عيشة الفساد..
إن الإنسان إذا قبل الموت – كما يقول فوزي خضر:
أو هو موتٌ على الطرقات الطويلة..
ومات في الوقت الموافق لحركة ثورته فإنه يدلل بذلك على أنه يضحي بنفسه في سبيل خير وحق يعتبر أنه يجاوز مصيره الخاص؛ وإذا فضل الموت على إنكار الحق الذي يذود عنه فلأنه يضع الحق فوق ذاته؛ إنه يتصرف بأسم قيمة مشتركة بينه وبين الناس جميعاً وعليه فإن التأكيد الذى ينطوي عليه كل فعل ثوري لهذا الشاعر يمتد إلى ما هو أبعد من الفرد المتمرد أو العاصي أو الحاقد الحانق..
إن تحليل الفعل الشعري الثوري لديه يقودنا على الأقل إلى تصور وجود طبيعة بشرية.. فلماذا يثور الإنسان لو لم يكن هناك ما يستدعي الصيانة ولاسبيل إلى صيانته إلا بالفعل الثوري
هي إذن ثورة شعرية وليس فقط شعر ثوري..
تمثل الثورة إذن إنتقالاً من الواقع إلى الحق..
لم يكن لفوزي خضر إذن أن يتغنى مثل (رامبو) “بالجريمة الحلوة التي تنوح في وحل الشوارع؟! “.. حيث الحياة بالنسبة لرامبو لم تكن سوى ثمثيلية هزلية يقوم الجميع بأدوارها.. لقد كان يغني في العذاب ويشتم الإله والجمال ويحترس من العدالة والأمل؛ وحين دنت ساعة الموت إذا به يشكو أمره إلى أخته قائلا ً:
“سأوارى تحت التراب أما أنت فستسيرين في ضياء الشمس”..
أمَّا فوزي خضر فهو أكثر شعراء عصره حيوية وتفاعلاً وانتشاراً وأغزرهم عطاءاً فمشروعه الشعري فقط يربو على العشرة دوواين؛ ناهيك عن إنجازاته في البحث؛ والنقد؛ والكتابة للطفل؛ والدراما… الخ…
يقول عبد المنعم سالم في قصيدته (العزف علي وتر مقطوع) التي انتزعت من ديوانه الوحيد خوفا ً من التابو السياسي وطبع دونها:
أيها الوادي الذي
عافر من أجل الكفاف
لم يكن فرعون في السبع العجاف
يبرئ الجوعى بحد السيف يا مصرُ
فما بال عزيز العصر ِ
بعد الصبر ِ يأتيك بأنباء المجاعات
وكانت زوجه قد غلّقت من دون رأس المال أبواباً
وقالت هيت لك..
ويقول في موضع ٍ آخر:
تبا ً لبلدة ٍ
يكون حلم إنسان ٍ بها رغيفا.(6).
وإذا كانت النبرة الثورية تبدو عالية حادة هكذا في خطاب فوزي خضر وعبد المنعم سالم؛ حتى أنها تصل إلى ذروتها الدرامية عند فوزي خضرفتتمرأي في صورة دموية على غرار:
يركلني في الأرض جوادٌ مجنون..
أو إلى حد إعلان الخصومة والإعتذار عن عبد المنعم سالم:
إيه يا مصر التي في خاطرى
لا في فمي..
إلاّ مع الأقران ليلا ً
واعذرينا إن حفظناك بستر الليل
يا مصر اعذرينا… (7)
إلا أننا نجدها ربما بنفس الحدة ولكنها مصحوبة بالأمل والإيمان الراسخ في القدرة على التصدي والتغيير عند احمد محمود مبارك الذي يقول:
نوقن – حتى – وأسنة الحراب في صدورنا
وجحفل الأحزاب قد جثا على أنفاسنا
نوقن والقلوب قد بلغت الحناجر
بأن ريحا ً صرصرا ً
سوف تفل عزم باطل ٍ
على الحق افترى
وأن يوما ً وارفا ً بالغار والفخار
فيه خيل فجرنا
ستسحق الدياجر
فلتنزعي عنك ضباب اليأس
إننا افقنا من إسار غفوة ٍ
وذا شعاع صحوة ٍ ميمونة ٍ
في أفقنا يلوح بالبشائر. (8).
ثمة ملاحظة مهمة جدا ً وجوهرية للغاية تميز هذا الجيل من السكندريين عن غيره ممن سبقه أو حتي مجايليه من أقاليم أخري في هذه المنطقة بالتحديد وأعني بها طريقة تعبيره عن ثوريته ورفضه وتمرده ففي حين يبدو الهروب عند غيره إما في الإبتعاد كليا ً عن هذه المنطقة باعتبارها تابو أو في معالجتها من الخارج البعيد بعين الراصد أو الواصف مستعينا ً في ذلك باللجوء لتيمة الإسقاط من التراث أو ما يمكن أن نسميه (معالجة الحاضر بالماضي) كما أجاد في ذلك وأبدع أيما إبداع الشاعر الكبير.. أمير شعراء الرفض / أمل دنقل في كلمات سبارتاكوس الأخيرة.. وغيرها:
المجد للشيطان معبود الرياح
من قال لا
في وجه من قالوا نعم
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال لا فلم يمت
وظل روحاً أبدية الألم…
أو في الوصايا العشر:
لا تصالح ولو منحوك الذهب
اتري لو أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى؟
هي أشياء لا تشترى. (9).
حيث تحولت المعالجة التعبيرية عند جيلنا إلى التصدي المباشر من خلال إنتاج صراع درامي حيوي ومباشر بين الذات والآخر الوطن أو الحاكم أو الخائن كما لاحظنا في النماذج السابقة…
وقد عني هذا الجيل أكثر من سابقة بسمات فنية هامة كالتصوير مثلا ً.. فتجاوزت الصورة الشعرية عنده حد التوقيعة البلاغية من تشبيه أو استعارة أوكناية إلى آفاق أكثر مرونة ورحابة فجاءت الصورة الممتدة والمركبة والكادر التصويري المتحرك – سينمائية الشعر – وصولا إلى القصيدة الصورة أو إنتاج التجربة الشعرية تصويريا ً؛ ولنا أن نستعرض بعض النماذج للتدليل على ذلك؛ يقول فوزي خضر منتجا ً تجربته تصويرا ً في كادرات تصويرية متحركة أو سينمائية كأنما يكتب بكاميرا:
وأشرب صهد البلاد
وأصعد عبر نخيل ِ الظهيرة ِ مشتعلا ً بلَحا.
وأجيئك متشحا:
بأساطيرَ من مدن ٍ مُرّة ٍ
وأنا شجر الدوم يطرحني جامد الوجه
ماء الجداول يسكبني طيع القلب
جدب البلاد يطاردني
يشعل الدم عبر عروقي لهيبا
وتجذبني واحتان بعينيك.
ويقول عبد المنعم سالم:
الليل عاصف مطير
والرأس عاصف مطير
وليس في الطريق غير العربات العائدة
وبعضِ من تقيئهم حانات آخر الغلس
وسعلةٍ؛ يجئ ردها
علامةَ انتباهة العسس
وجائعٍ؛ حدق في آخر كسرة لديه
ثم دسها بجيبه؛
ليطمئن جوعه إلي عُلالة أخيرة
في لحظة الإعياء
وغذ في المسير. (10).
ويقول أحمد مبارك:
تضمهم الساحة ُ الطاهرة
قلوبا ً بومض التقى عامرة
صفوفاً تساوت
فلا مال؛ لا جرم؛ لا رسم
فرَّق بينهما..
ضيوفا ً..
ومائدة ُ النور ِ لا ينتهي رفدها. (11).
هذه اللوحات التشكيلية الناطقة بحركيتها.. بأصواتها..بألوانها وظلالها التي تتشابك وتتكامل لتنتج فينا الأثر المرجو منها تجاه هذه الحالة الإنسانية للذات الشاعرة , بما هي معادل موضوعي عام للإنسان الفنان في أزمته مع الواقع في هذه المرحلة الزمنية في بلده..فهكذا تتداخل حواس العناصر والأشياء والكائنات مع الرؤية والرؤيا تداخلا وتشابكا لإنتاج اللحظة الشفيفة الشعرية، المبنية على سردية واضحة للخطاب سواء إنشائية أو خبرية من جهة، ومن جهة أخرى المبنية على صور حية بارقة هي عند هذا الجيل أشبه ما تكون باللوحات الكلية والكادرات السينمائية..
وثمة حضور فاعل ومتفاعل لحواس العناصر والأشياء والكائنات.
نعم أقول حواس الأشياء والعناصر والكائنات.. فالشاعر يؤنسن كل ما من شأنه أن يتجاوب ويتفاعل مع تجربته.. وينشئ علاقات لا تكون إلا شعرا على غرار:
(عمراً من الحقلِ)
وإذن تشكل هذه الخاصية التصويرية مع الخاصية السردية والحوار الدرامي – كما لاحظنا في النماذج الثلاثة – ملامح القصيدة التي تعزف مدلولاتها بإيقاع العروض الخارجي الذي ينجز غنائية الشعر العربي المتفردة؛ والقوافي المتواترة في غير تكلف وهي من سمات التجربة الفنية الواضحة أيضا؛ كل ذلك مع الإيقاع الداخلي المجروح بالمعاناة وبالوجود ذاته و هكذا وتتراكم أشارات الداخل والخارج في حركتها المتبادلة خارجيا وجوانيا لتمثل ارتدادا دائما نحو الذات الشاعرة باعتبارها المعادل الموضوعي والقاسم المشترك الأعظم للذات العربية في ورطتها المجتمعية والسياسية والثقافية؛ غير أنها – أي ذات الشاعر – تمتاز بتشابكها مع العالم الموضوعي بطريقة فنية وجمالية هي الأكثر تأثيرا..أما التعلل بأزمة الواقع وصرامته وتناقضه كأسباب لانفصال الشاعر عن واقعة، وتعاليه عليه أو سخريته منه، فهي علل جوفاء وتبريرات مزيفه للهروب…
النصوص الشعرية كما لاحظنا عند شعرائنا الثلاثة ذات بنية تكاملية متضافرة؛ حيث تتناسل اللغة تناسلا صوريا ً؛ وينتج الشاعر تأليفا ً صوريا ً لا صورا ً شعرية مفردة ومجتزأة؛ وكلما كان النص أكثر إيغالا ً في دخيلة اإنسان كان أعظم وأجود وأعلق بالنفس وأكثر قدرة على التأثير فيها؛ وكلما كان تأثير القصيدة ناجما ً عن مجمل مناخها كانت قيمتها أعظم ومزيتها أنفس وصمودها في وجه الزمن أصلب وأمتن.. وإذن فقد نجح هذا الجيل – كما أرى – في إنجاز توازن ما سمح له بتجاوز اللفظية والمنهجية البلاغية القديمة معا ً في حين لم يتنازل عن الصوغ الشعري بجمالياته المتنوعة الناتجة عن الموسيقي والتصوير فلم يضحي بالعروض ولم يفقد احتفاءه بالقوافي ولم يعمد إلى العادي والمهمش واليومي كمتكئات يبرر بها العجز عن التخييل وهو الدرس الذي أخذه عنهم الثمانينيون من أمثال محمد عبد الفتاح الشاذلي – رحمه الله – وعبد الرحمن عبد المولي نسأل الله له السلامة في كل الأحوال؛ وأحمد فضل شبلول وعبد المنعم كامل وناجي عبد اللطيف.. وغيرهم ممن يشرفني الإنتساب لجيلهم..رغم احتفالهم بالعالم والجسد والخبرة الفردية عن طريق يتضمن فيه المنتصر صفات المنتصر عليه دون إسراف ملحوظ عند غيرهم في مناطق أخري غير الإسكندرية وصل بأصحابه لدرجة بعدت بهم عن جماليات الشعر بقدر ما قربتهم من جماليات السرد.
ويبدو أنه لابد من الإعتراف بأن الحس الجمالي بات عبئا ً معنويا ً على الشعراء الجدد؛ فمن جهة نلاحظ توق هذا الحس للإنتماء إلى الآباء ومن جهة أخري نراه في حالة تناقض حيث غالبا ً ما يأتي ضمير المتكلم ليشير إلى تصدع كينونة الشاعر والشعر…
“أرفض أن أحيا العمرَ دجاجةْ
في معمل تفريخ الدولة ْ.” (يوسف العيشي)
” ليس ضرورياً
أن أفتح شباكي للبيت الأبيض ِ
أو لل (الكريملن). ” (مختار عثمان)
” صلبوني بعد العشاء الأخير ِ..
رفقة الحي..
في ختام الروايةْ.
والغصون التي تركت عليها..
زنبقات الغرام ترعى هوايه.
أصبحت في يديَ أكليلَ شوك ٍ..
يبذر الحقد والأسى في دماي
هل تثورون إذ أتيت إليكم
أبصق الآن في ضمير النهايةْ؟
لا تخافوا فليس تملك كفيَّ
سيفا؛ ولا قوس نصرٍ.. وراية ْ” (مرسي توفيق)(12)
{ملحوظة: الأسماء الثلاثة: يوسف العيشي ومختار عثمان ومرسي توفيق من شعراء الثمانينات بالإسكندرية الذين هربوا من حقل الشعر.}
فكرة جوهرية وشديدة الأهمية يحققها هذا الخطاب الشعري لهذا الجيل – جيل الوسط – أو جيل السبعينات في الإسكندرية الذي وعى خصوصيات من قبله ومن بعده.. ألا وهي تحقيق هذا التناسب الطردي الملحوظ بين قيمة القصيدة كبنية متكاملة؛ ومضمونها الذي ينوء بحمل قضية الازدواجية التي تفجر مقدار التوتر الذي تزخر به… هكذا يضعنا خطاب هؤلاء الشعراء أمام الحقيقة.. نعم… أيها السادة؛ لقد صار السؤال مربِكاً وبمفعول مضاعف ونحن نتوجه به إلى هؤلاء الشعراء الجدد.. حيث أن قصيدة بلا طبيعة وبلا تصور كيف تدافع عن نفسها؟
وبعد لا يسعني في ختام قراءتي هذه سوى التأكيد على أن الشعر الحقيقي ظل على الدوام ممثلا للنزوع الأخلاقي الخيّر ومجابهة مظاهر السقوط والإنحطاط؛ بل إن الشعر الحقيقي كان في الأغلب الأعم وليد تلك الفترات المأزومة من حياة الناس ولعل هذه الفترة الزمنية بالذات أو هذا الجيل باعتبار معايشته لأحداث كبيرة مرت بواقعه الحياتي قد ساهمت في تشكيل هذه الملامح
لذا فسوف يظل أثر هذا الشعر باقيا ً على الدوام.
مراجع وهوامش:
(1) رولان بارت – لذة النص – ترجمة منذر العياشي – ص 13
(2) عبد النعم الانصاري – ديوان القرابين – قصيدة قرابين
(3) أحمد محمود مبارك – ديوان: في ظلال الرضا – قصيدة / والدي – ص 14
(4) فوزي محمود خضر – ديوان: فصل في الجحيم – قصيدة / المواسم تقطب جبينها – ص 44
(5) نفس الديوان – قصيدة نرفع الراية المستحيلة – ص 54
(6) عبد المنعم سالم – قصيدة / العزف على وتر مقطوع
(7) نفس القصيدة
(8) أحمد مبار – نفس الديوان
(9) أمل دنقل – قصيدة كلمات سبارتاكوس الأخيرة
(10) عبد المنعم سالم – ديوان / الآبق من حفل صاخب – قصيدة لقاء
(11) أحمد مبارك – نفس الديوان
(12) يوسف العيشي ومختار عثمان ومرسي توفيق شعراء سكندريون من جيل الثمانينات؛ هجروا الشعر وليس لهم مطبوعات.