«ست الحبايب».. عندما تتحول المشاعر الإنسانية إلى نصوص خالدة

«ست الحبايب».. عندما تتحول المشاعر الإنسانية إلى نصوص خالدة

جولييت المصري

اللوحة: الفنان الإيطالي روبيرتو فيروتزي

هل يمكن أن يترجم المبدع أحاسيسه ومشاعره التي تنبع بصدق من وجدانه إلى عمل يستحوذ على قلوب الناس ومشاعرهم، ويخلد بينهم حتى بعد وفاة مبدعه، رغم أنه لم يكلفه إلا دقائق معدودة؟

وهل يمكن أن تتاح لمثله الظروف المواتية، فتتضافر معه جهود مبدعين جادين لينسجوا من معطيات متناثرة أجمل ثوب ترتديه كل أم في عيدها، فلا يفارق احتفالاتها إلى يومنا هذا؟

والإجابة ستجدونها في قصة آثرت أن أعيدها في يوم عيدها لأذهانكم جميعا، لنرى سويا أن الإحساس الصادق والنوايا الطيبة والصداقة وحب الفن للفن قادرة على خلق مثل ذلك:

في بداية الستينيات من القرن الماضي، ذهب الشاعر الغنائي الراحل حسين السيد لزيارة أمه التي كانت تسكن في الطابق السادس من إحدى العمارات في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة، وذلك ليلة عيد الأم، وبعدما صعد الدرج ووصل شقة والدته لاهثا منهكا، اكتشف أنه نسي شراء هدية لأمه في تلك المناسبة التي تواضع الناس فيها كعرف وتقليد على إهداء الأمهات ومن في مكانتهن الهدايا الرمزية، كتعبير عن المحبة والعرفان بفضلهن، وكان من الصعب عليه النزول مرة أخرى، والتفكير في هدية قد يستغرق البحث عنها وقتا طويلا يضيع عليه فرصة الأنس بأمه، خاصة وهي تنتظر مقدمه بناء على وعده لها، فأخذ يفكر كيف يخرج من هذا المأزق، وفجأة واتته الفكرة، وساعدته قريحته المتوقدة في تنفيذها.

توقف عند باب الشقة، وأخرج من جيبه قلمه ومفكرتة الصغيرة، ثم بدأ يكتب :

ست الحبايب ياحبيبة

يا أغلى من روحي ودمي

يا حنيِّنة وكلك طيبة

يارب يخليكي يا أمي

يا رب يخليكي يا أمي

 ياست الحبايب ياحبيبة

*** 

زمان..

زمان سهرتي وتعبتي وشلتي

 من عمري ليالي

ولسه برضه دلوقتي بتحملي

 الهم بدالي

أنام وتسهري

 وتباتي تفكري

وتصحي من الآدان

 وتيجي تشقري

يا رب يخليكي يا أمي

 ياست الحبايب ياحبيبة

*** 

تعيشي لي ياحبيبتي يا أمي

ويدوم لي رضاكي

أنا روحي من روحك إنت وعايشة

 من سر دعاكي

بتحسي بفرحتي 

قبل الهنا بسنة

وتحسي بشكوتي 

من قبل ما أحس أنا

يا رب يخليكي يا أمي

 ياست الحبايب ياحبيبة

*** 

لو عشت طول عمري أوفي جمايلك

 الغالية عليَّ

أجيب منين عمر يكفي وألاقي

 فين أغلى هدية

نور عيني ومهجتي 

وحياتي ودنيتي

لو ترضي تقبليهم

 دول هما هديتي

يا رب يخليكي يا أمي 

يا ست الحبايب يا حبيبة

كانت هذه هي لحظة ميلاد الأغنية الأرق والأجمل والأشهر على الإطلاق التي تعبر لكل أم بصدق عن أحاسيس الأبناء لها، ورغم أن الملايين يحفظونها ويرددونها؛ إلا أنهم لا يعرفون قصتها ولا المدة التي استغرقتها في الكتابة والتلحين والغناء حتى استوت أيقونة للأم في عيدها، فكتابة كلماتها لم تستغرق غير خمس دقائق فقط حسب مارواه كاتبها الشاعر الغنائي حسين السيد فوق عتبات الدرج المؤدي لشقة والدته، وبعد انتهائه من الكتابة، طرق شاعرنا باب الشقة وفتحت له والدته، فأخذ يسمعها كلمات الأغنية، ووعدها بشكل عفوي وهو يقبل يديها ورأسها في شبه اعتذار، أنها سوف تسمعها في اليوم التالي عبر أثير الإذاعة، وبصوت غنائي جميل، قطع الوعد لأمه دون أن يعرف كيف سيفي به.

 أمام هذا المأزق اتصل هاتفيا على الفور بالموسيقار محمد عبد الوهاب، وشرح له ما حدث، وقرأ عليه كلمات الأغنية، فأعجب بها عبد الوهاب إعجابا شديدا، وقرر تلحينها من فوره ليهديها إلى أمه وكل الأمهات في مصر والعالم العربي.

 لم يستغرق اللحن منه دقائق معدودة أيضاً، ثم اتصل بالمطربة فايزة أحمد التي اشتهرت بأغانيها عن الابن والأخ والأسرة، وأسمعها الأغنية وتدربت عليها وحفظتها في نفس اليوم.

 وفي صباح اليوم التالي 21 مارس ذكرى الاحتفال بعيد الأم، غناها محمد عبد الوهاب على العود فقط، ومع نهاية اليوم كانت فايزة أحمد تشدو بها في الإذاعة المصرية، فالتقطتها ذائقة الناس، وأصبحت تتردد على مسامع الأمهات والأبناء والبنات بصوت فايزة أحمد الساحر، لتبقى هذه الأغنية من أروع الأغاني المعبرة عن حب الأم.

وبذلك وفى حسين السيد بوعده لأمه، وبقيت فايزة أحمد تحتل بها القمة، وحقق محمد عبد الوهاب أمنيته وأمنية العرب، الذين ظلوا يطلبون سماع هذه الأغنية كهدية لأمهاتهم على كافة المحطات العربية، ويبثونها عبر هواتفهم النقالة ويحتفظون بها أحيانا كنغمة مميزة لهم خصوصا في تلك المناسبة.

3 آراء على “«ست الحبايب».. عندما تتحول المشاعر الإنسانية إلى نصوص خالدة

  1. شكرا جزيلا لك أستاذنا الكريم، جميل أن تتوقف عندها، فكثيرون يمرون على المنشورات مرور الكرام.

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.