وليد الزهيري
اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس
لم أكن مهتمًّا على متن أي شركة طيران استخدمها خلال سنواتي الأخيرة في الكويت، تعاملت مع شركات عدة، سعيت خلف جدية المواعيد، الخدمة المتميزة، والسعر الأنسب، اليوم وبعد 25 يناير، عقدت العزم على العودة إلى المحروسة على متن شركتي الوطنية مصر للطيران، متجاوزًا ذكرياتي الأليمة معها.
وقفت في طابور طويل عريض لإنهاء إجراءات سفري، أشار الموظف المسئول عن (كاونتر التشيك أوت) بطرف إصبعه لأحد الواقفين بعيدًا.. سلك بهذه الإشارة رجل بدين وأسرته طريقًا مختصرًا للوقوف أمام (الكاونتر) مباشرة، تناجى اثنان من خلفي يهمس الأول في أذن الثاني:
ـ جماعة من الثورة المضادة!
أنهيت إجراءات سفري، جلست في مقعدي بالطائرة مترقبًا من سيرافقني في رحلتي بالمقعد المجاور.. أهلَّ عليَّ بسنواته الخمسين وشعره الأشيب، ممسكًا بكتاب أخرجه من حقيبته فور جلوسه منغمسًا بين سطوره.. جذبني فضولي لمعرفة ما يقرأه، لمحت عنوان كتابه (موسوعة تاريخ الإعلام السياسي في مصر).
لمحت بعض الوجوه في الطائرة مشرقة، يرتدي الراكبون أجمل ما لديهم في عيد المغتربين.. الإجازة بالنسبة للمغترب عن وطنه عيد ممتد حتى العودة.. تابعت على شاشة الطائرة خط سير الرحلة بين حين وآخر ننتقل من سماء مدينة إلى أخرى، مرت بجواري المضيفة تدفع عربة أمامها ممتلئة بالجرائد اليومية، تلقفتها من بعيد مهللًا:
ـ ممكن الأهرام؟
استشعرت طزاجة عناوين الأهرام وهي تخلو من تمجيد الرئيس المخلوع بعد 25 يناير.. حملت عناوينها: جمعة “الثورة أولًا” توحد القوى السياسية، الإخوان والسلفيون يتراجعون عن المقاطعة.. جميع ائتلافات الشباب تشارك، مطالب القصاص للشهداء، تطهير الحكومة ينتزع الأولية من “الدستور أولًا“.
تابعت الشاشة مجددًا لمعرفة أين نحن.. ونحن محلقين فوق (شرم الشيخ) نظرت من النافذة أسفل مني فوجدتها مدينة لا تكاد أن ترى من فرط ضآلتها هي ومن قطن في مستشفى شرم الشيخ الدولي.. عند ملامسة عجلات الطائرة أرض مطار القاهرة، صفقت طفلة في الخامسة وهتفت “هيه”، فتح باب الطائرة، تنسمت هواء الحرية، وددت أن لا أخرج زفيري محتفظًا بالمحروسة بين ضلوعي.
انطلقنا مهرولين لإنهاء إجراءات الوصول، قبل 25 يناير.. كنت أرى عند مغادرة الطائرة عشرات يحملون لافتات كُتب عليها أسماء بعض أصحاب الحظوة من الركاب لإنهاء إجراءات وصولهم سريعًا، بعد 25 يناير.. رأيت اثنين فقط يحمل كل منهما لافتة عليها اسم أحد الواصلين مرددًا اسمه بصوت مرتفع:
ـ محمد بيه.
يتبعه صدى الآخر:
ـ الأستاذة ألفت.
التقت عيني بعين من يبحث عن (محمد بيه) حتى دنوت منه، وقلت له بصوت مسموع:
ـ هو لسه في كده؟!
لم يرد ولم يجرؤ أن يعقب منكسرًا، حملت حقائبي مغادرًا المطار، وقبل الولوج إلى الطريق الدائري ارتطمت رأسي بسقف السيارة تأثرًا بهبوط عجلتها الخلفية في (حفرة) تتوسط الطريق.. كلما حدث لي ذلك قبل 25 يناير أردد القول المأثور “هي دي مصر يا عبلة”، أما اليوم ابتسمت متمتمًا: “مش مهم.. بكرة نصلحه“.
لم يخلُ الطريق من القاهرة للمنصورة من اعتداءات سافرة على الأراضي الزراعية من أناس لا يقلون فسادًا عن نزلاء (بورتو طرة)، تجسدت ثورة 25 يناير بنجاحاتها وعثراتها.. عندما مررت بجوار مبنى محافظة الدقهلية، حينما رأيت على يميني مبنى (مكتبة مصر) التي كانت تحمل سابقًا اسم (مكتبة مبارك).. تأملت الاسم المحذوف بحكم قضائي، رأيت أثره ما زال باقيًا على الواجهة.
لمحت قبيل بلوغ بيتي صورة لشاب معلقة في ميدان حمل اسمه، شاب (زي الورد) فقد حياته في جمعة الغضب ـ مات علشانبارك يعيش ـ قرأت الفاتحة.. انعطفتُ يمينًا منشغلًا بظل مبارك على اسم مصر.