شرخ في المرآة

شرخ في المرآة

د، أمل بشير

اللوحة: الفنانة السعودية رحاب خالد زكري

وقفت تعدل ملابسها أمام مرآتها استعدادا للذهاب إلى المشفى حيث تعمل، تعلم أنها لا تملك ذلك الجمال المادي الفاتن، لكنها ذات جمال ينبع من قوة شخصيتها وجمال روحها، تبدو أناقتها في الألوان التي تختارها بعناية، والتناسق في اختيارها لملابسها. 

طالعت ملابسها للمرة الأخيرة قبل أن تنصرف، بعد أن اطمأنت لرأي مرآتها أن كل شيء كما يجب له أن يكون، وأنها جاهزة تماما، نظرت لنفسها نظرة رضا، رسمت ابتسامة لطيفة على شفتيها وغادرت.

لقد تخرجت منذ بضع سنوات، وتزوجت خالد، زميلها الذي ارتبطت به في سنتها الخامسة وبمجرد تخرجهما تم الزواج، أنجبت رنا في سنتها الثانية من الزواج بعد أن أتمت سنة الامتياز، لم يكن الأمر سهلا لكنه قد مر بسلام، لم تكن تحبه لكنه كان يحبها وقد سعى باجتهاد شديد لتكون له زوجة، ورغم رفضها له عندما صرح لها بمشاعره بادئ الأمر إلا أنه لم يستسلم وبقي بانتظارها، ولم يتوانى عن أن يستخدم اصدقاءها وصديقاتها ليتوسطوا له عندها حتى وجدت نفسها زوجة له، مع كل الرومانسية التي كانت تقبع بداخلها الا انها اختارت أن تتزوج من يحبها دون أن تبادله حبا بحب، بدأت حياتها معه وهي فاتحة له قلبها ليرسم لنفسه مكانة فيه، فما نجح ابدا، لم يحسن اختيار المفردات التي قد تصنع من زواجهما قصة حب، بقي زوجا فقط وكأنما اكتفى أن يمتلكها بورقة رسمية يوقعها شهود أمام لتصبح قي حوزته.

مررت يدها على بطنها تلقي بالتحية على جنينها، عندما علمت بحملها لم تكن ابدا سعيدة، قررت بعد ولادة رنا أن توقف الحمل لبضعة سنوات حتى تنهي تخصصها بمجال الطب النسوي، فمع كل تلك المناوبات والعمل بالإضافة إلى الاستذكار كان من الصعب أن ترعى رنا وطفلا آخر، ورغم كل الاحتياطات التي اتخذتها أبى القدر إلا أن يوضع هذا الجنين بأحشائها، ووجدت نفسها لا تملك خيارا الا ان تتقبل وجوده وتشكر الله على ما قضى، لكنها لم تعلم ابدا ان هذا الجنين سيكون تلك المحطة الفارقة في حياتها، وأنه سيغيرها للأبد، وسيكتب قصتها من جديد بشكل لم تتخيل انه قد يحدث لها.

مرت أشهر حملها بصعوبة، كانت مرهقة جدا، ولكنها لم تعلم أن كل الصعب الذي مضى لم يكن صعبا، بل إن الاصعب لم يأت بعد.

جاء ذلك اليوم حيث قرر جنينها الخروج ليبدأ رحلته في الحياة، كان مخاضا ولدت فيه من جديد مع وليدها فهي لم تعد ابدا نفس الشخص الذي أنجب ذلك الصبي، وكأنها صفحة جديدة تعلن نهاية ذلك الفصل من حياتها وبداية فصل جديد، فقد احتلت طفرة المادة الجينية لذلك الصغير لتحوله لشخص مختلف يشبه فقط إخوته في الطفرة، ابتلعها الحزن والخوف على وليدها من مستقبل مجهول، تحدٍ وضعه القدير بطريقها دون أن يعدها له، فلم يخطر ببالها يوما أن تكون اما لطفل مصاب بمتلازمة المتعارف انها تحدث في الأمهات المتقدمات في العمر، لكن يبدو أن الطب الذي درسته لم يكن يستطيع أن يقرأ القدر أو يحدده، أو حتى يفسره.

عادت للعمل بعد فترة قضتها صامتة، تلك الشعلة المتوقدة بداخلها قد انطفأت، وكل المرح حزم امتعته ورحل، كانت دوما شاردة قليلة الكلام الا ما ندر، وبالطبع تركت الدراسة والتخصص وعادت لتمارس الطب العام، فقد كان ذلك الطريق شاقا ولم يكن ما تبقى لها من طاقة يكفي لتكمله.

نظرت في مرآتها ،نفس المرأة التي اعتادت أن تصلح هيئتها فيها قبل أن تغادر، كانت الصورة غير واضحة، وكأن المرأة تلومها على هجرها، فهي لم تنظر إليها منذ زمن، مسحتها بكمها، لكنها لم تر شيئا، لمستها بأصابعها فربما هناك شرخ لا تلحظه، ولكن ما من شرخ، لم تستطع أن ترى ذلك التناسق وكل الكمال الذي كانت تراه في مرآتها من قبل، تذكرت انها لم تعد تجيد فن الذوق وحسن الاختيار، وأن الألوان فقدت ألوانها، عندها فقط انتبهت أن الشرخ ليس في المرآة، بل كان  شرخا آخر غائرا في عمق الروح.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.