نورة عبيد
اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو
من المدرسة القوميّة للإدارة كان من المفروض أن أجتاز مناظرة وطنيّة لانتداب أعوان لوزارة الصّحّة كان عليّ أن أربيّ الأمل ما دمت عاطلة عن العمل اليوم الأحد الحادي والثلاثين من أكتوبر لسنة تسع وتسعين وتسعمائة وألف، قمت باكرا بعد يوم عميق وقاس كنت قد تكبّلت بمقولات عديدة انبهرت بطاقة أساتذتي في التّبريز على إنشاء عوالم نصيّة تزيدهم إيمانا بأنّ العالم يبدأ من نقطة مركزيّة هي الأنا، كنت أعاتب القلم على الدّقائق التي تمرّ دون قراءة أو كتابة كنت أحاول القلم أن يضيف للبوّابات مساحات أخرى لاكتشاف الذّات والعالم، وماذا يعني أن أكتب؟ أيّ إرادة فيها ومنها وبها؟
– الكتابة ذاك العناق المستحيل لسواد مغلّف بالرّؤية
– الكتابة ممارسة الخلاص
نهضت باكرا أحضن طاولتي اللّيليّة، أتفقّد مكوّناتها منتظرة صوت فيروز ليبعث الدّفء والأمان في الأرجاء كان صوتها والأمل كافيّين لأستعيد خفّة الكائن المحتملة
أستدعي صفاء أعدّ لها القهوة والقلم الورديّ، فتمسك بالقلم تقلّبه بين يديها ثمّ تدلّني على الأوراق البيضاء المتناثرة بجوار الباب وتغمغم في تحفّظ “الآجلة خير وأبقى”
البارحة هاتفني وأخبرني أنّه أرسل السّلام مع السّماء النّديّة مجبرة على لقائه، مدفوعة إليه دون صواب.
يومها والمساء يرنو إليّ كملاءة سوداء منقّطة أخبرتها أنّني بكّرت لألتحق بنهج الدّكتور “كلْمات” خرجت من المنزل المأجور بفرح شبابيّ أنيق، لم أر ورودا أحيّيها وأشجارا واقفة أناديها لم أسمع زقزقات عصافير تومض في رقصات هاجعة رقيقة كان الطّريق مبعثرا بفضل بقايا قمامة خلّفها عمّال البلديّة إثر رفعها كان الطّريق يوحي بليل ضجر أتعبه الملل كشعر امرأة هدّها الرّفض.
إنّني في نهج النّخيل بمنطقة السّعيدية المحاذية لباردو، شارعي المحبّب محفّف بالنّخيل كان يبعث فيّ الأمل كلّما صبّحت وأمسيت به ولكنّه هذا الصّباح كان باردا وثقيلا الخطوات تتقدّم فيداهمني التّذكّر سينتظرني إذا انتصف النّهار بنهج الدّكتور “كلمات” بعد إجراء المناظرة.
سأقبل عليه بكلّ خفّة سأخبره أنّني أنتظره بحنين إلهيّ للبعث ستهبنا الرّوح شراشف سمائيّة تطيّرنا عاشقين إلى المعراج
إنّها الثّامنة بصباح تونس بنهج الدّكتور كلمات” بمقرّ المدرسة القوميّة للإدارة، تسلّمنا نصّ المناظرة، تأمّلت في المطلوب فذبل الأمل على المسودّة خططت الهواجس التي زارتني وخرجت على قلق أنتظر نصيبي من الأفق.