اللوحة: الفنانة السورية رغدة سعيد
آمنت أنه من قلب العتمة يبزغ دومًا نور، ينبعث ضياء في الأفق، يُخبرني أن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، هكذا أفقت على رنين هاتفي قبيل المغرب، فاستيقظت ونظرت شاشته، لأجدها ماثلة أمامي، تُخبرني بعبارة هي أقرب لأمر قطعي: ربع ساعة من الآن، سألتقيك، سأعزمك على الغداء، ثم صكّت بوجهي السماعة، انقطع الخط، بتُّ بعد المكالمة في حيرة، أكان ما سمعته صدقًا؟ وما الجنون إن لم يكن هذا؟!
قابلتها، ترددتً في الكلام، فلم أعتد أن ألقي على كاهل أحد بما يُثقله، منهاجي في حياتي: أن كل امرئ لديه ما يكفيه من متاعب.
لست أدري، كيف ذهبت إليها!، ما الطريق الذي قطعته!، لكنّي وٌعيت على وجودها جواري، تظهر في لحظة تغيم فيها الرؤية، فأظن أنها تنقلني من كون كله شقاء وتعب، لآخر يقترب من الجنة،كما سمعت عنها، بين يديها أرى ما لم يره غيري، لم يخطر على قلب بشر، أفقت على صوتها: من السُخف أن أتركك بحالتك هذه، وإن فعلت فبئس الصداقة هي.
فقاطعتها: صداقة؟
فنَظَرَت بعيني، بأناملها، لمست مرفقي وبهمس قالت: لم أعتد أن أعزم أحدًا على الغداء أو غيره، وإن فعلت كما يحدث الآن، فيكفي أن تدرك بالإشارة، ما يعجز اللسان عن قوله، فهل أدركت وفهمت؟!
بدا لي أن عبارتها الأخيرة، بقدر ما تحمل تلميحًا مستحبًّا، فإنها كانت تفيض بتحذير من تكرار سؤال يضرّ ولا ينفع.
فطاوعتها في حديثها، أثنيت: وأنا لا أستسيغ هذا الموقف، وقبل أن أسترسل، عاجلتني: وما الفارق يا سيدي؟ هل ثمة فارق تراه؟
اعتراني خجل ريفي، فصمتُّ، ثم قلت: لا فارق، يكفي أننا اجتمعنا على قدر جميل، ويكفي أنّي كنت أفرُّ من قدر لآخر، على رغم أنني كنت أخشى أن أستجير من الرمضاء دومًا حتى لا تحترق يديّ بالنار، لكنّي الآن كأهل “الأعراف”، أحيا بمنطقة بين جنة عامرة، نار تكتظ بأشجار محرّمة..
كانت تعبث بشاشة هاتفها، لكنّها تصغي بجوارحها، أدركت أنا ذلك، من ارتعاشة رموشها، بسمتها الخجولة التي تستقر ثم سرعان ما تختفي من شفتيها، فلمّا توقفتُ، أكملت هي: لم أشأ أن أتركك وأقسمت بيني وبين نفسي أن أراك ولو لم ترغب.. كانت تتحدث، بعينيها لمحة من شجن عبرت وجهها، استقرت للحظة بعينيها العميقتين، ثم تبخّرت، أخبرتني: أتعرف أن هذه الدنيا لا كمال بها، ولا اكتمال، وإن حدث فسيبدأ النقصان، كذا السعادة، بنهايتها غصة تقف في الحلق، تذكّرنا أن كل شيء مؤقت.
ظننت أنّي أثرت ضيقها وشجنها، فقلت: حياة قصيرة، نعيشها، نصنع فيها بأيدينا، ما نراه سعادة، وإن كان وهم وزيف.
فقالت: ما بالي، كلما اقتربت من السعادة، دنوت أكثر من الخوف، وكأنهما وجهان لعملة واحدة.!
تلك اللحظة أفقنا على واقع، أن الساعة تجاوزت منتصف الليل، يوشك المطعم أن يغلق أبوابه، هجره الزبائن، يتثائب العاملون، يحيطون بنا، يرجون بصمت أن نكفّ عن الحديث، تلك لحظة أحسست بشبع كبير، على رغم أن الطعام قد عفّته نفسي، كما لم تمتد يدها إليه، كان الهواء بالخارج جاف، يحمل نسائم صيف أتى مبكّرًا، التصقت بي وهمست بعفوية: عايزة أشرب قهوة.