ترنيمة فيروز في الجمعة العظيمة

ترنيمة فيروز في الجمعة العظيمة

د. هشام منصور

اللوحة: الفنان السعودي محمد غبرة

ركن سيّارته في الموقف العموميّ أمام تمثال شهداء 6 أيّار وحثّ خطاه باتّجاه ساحة النّجمة. كانت السّاعة الثّانية والنّصف، الحركة خفيفةٌ في وسط بيروت وخصوصًا أنّ اليوم هو يوم الجمعة العظيمة عند الطّوائف التي تتّبع التّقويم الشّرقي، يوم عطلة رسميّ شأن يوم الأسبوع الماضي عندما احتفل أتباع التّقويم الغربيّ بعيد القيامة.

 أخذ عطلته الأسبوع السّابق ليستطيع متابعة صلوات العيد في الضّيعة على أن يكون مناوبًا هذا الأسبوع، ولم يخطر بباله أبدًا أن تصله هذه المعلومة السّريّة مساء الأربعاء.

كان من أشدّ المعجبين بمسرح الرّحابنة وفيروز وذلك لم يكن خفيًّا، ولكنّه قلّما يجد الفرصة لمتابعة الأعمال بسبب الوقت الذي يستلزمه منه اختصاصه مع ساعات العمل الطّويلة والمناوبات الليليّة المكثّفة بمعدّل ليلةٍ كلّ يومين يليها طبعًا يوم عملٍ عاديّ يُفترض فيه أن يكون خلاله بكامل قواه العقليّة وإن لم يكن قد أغمض عينيه طوال اللّيل.

وكان يجد في الإنترنت ونوادي ال yahoo متنفّسًا له من كثافة العمل والدّراسة فاشترك في عدّة نوادٍ منها طبّيّة وفلسفيّة وطبعًا لم يترك ناديًّا لمحبي السّيّدة فيروز إلا واشترك فيه لظنّه أنّ ذلك سيساعده على الحصول على التّسجيلات القديمة التي كان الأعضاء يتبادلونها بشكلٍ محدودٍ وإطارٍ مغلق.

أمّا أن تصلهم رسالة من رئيس أحد النّوادي منتصف ليل الأربعاء وتحتوي على عبارة واحدة: “فيروز تصلّي الجمعة العظيمة في كنيسة الروم في وسط بيروت بعد الظّهر”، فذلك لم يكن بالحسبان. قلائل من كانوا يعرفون موعد ذاك اللّقاء السّنوي الذي كانت السّيّدة تحرص على إبقائه طيّ الكتمان. 

كان ينتظر ذاك الموعد السّنويّ ويتابعه عبر الشّاشة الصّغيرة، ولكن أن يشارك شخصيًّا في تلك الصّلاة كان أمرًا طالما ظنّه مستبعدًا فكيف يفرّط به وقد أصبح في متناول يديه.

لم يترك جهدًا إلا وبذله في اليوم التّالي ليستطيع التّخلّص من مناوبة يوم الجمعة، كان ذلك يوم عطلةٍ وعيد بما يعني أنّه سيتعيّن عليه أن يستبدله بمناوبة يومي عطلة عاديين. “بسيطة” فكّر في قرارة نفسه وهو يتّفق مع زميله على تغيير جدول المناوبة “فرصة كهذه لن تسنح مرّتين”.

أسرع الخطى وهو يخشى أن يكون قد طرأ تغييرٌ على مكان الحدث، لكن ذلك كان مستبعدا ولا شك، فالساحة أمام مجلس النّواب كانت تعج بالحاضرين فهو لم يكن الشخص الوحيد الذي قادته قدماه وشغفه إلى هذه التجربة الفريدة.

 أشخاص من كل الاعمار وكل الانتماءات يعج بهم المكان، فهنا رجل وزوجته يلاعبان طفليهما، وليس بعيدًا عنهما وقف مجموعة من المراهقين الذين يرتدون الثياب العصريّة الممزّقة في معظم أطرافها؛ فيظهر تناقض هندامهم واضحا مع الرّجال الأربعة الذين يبدو عليهم وكأنّهم من رجال الأعمال، وقد خرجوا للتو من اجتماع مهمّ وتوجهوا إلى الكاتدرائية.

شقّ طريقه بصعوبة بين الحشود ليصل إلى داخل الكنيسة علّه يحظى بمقعد يتابع منه الصلاة، وكم كان مخطئاً، فالكنيسة تكتظّ بالحاضرين الذين يخيّم عليهم صمت تفرضه مهابة المكان.

كانت الكنيسة قيد الترميم وكان العمال يزيلون آخر آثار الحرب عن هذا المبنى العريق ويعيدون الأيقونات إلى مكانها الطبيعي على الجدران.. نصوصًا مرسومة وفق القواعد الصارمة التي تمنع إعطاء الوجوه شكلاً فنيا محسوسًا واضحًا؛ فتبقى تصويراً رمزيا يحوّل النّص المكتوب إلى رسم تعليميّ.

الإضاءة خافتة والنّور يتسرب بخجل من النّوافذ العتيقة، والكل يعلم أن الشّمس ستنكفئ بعد قليل على عادتها بعد ظهر الجمعة العظيمة عند الروم.

كان المذبح مضاءً وقد أعدّت أمامه خشبة للسّجود مع حامل للنّصوص في مواجهة الايقونطاس وهو حيث ستركع فيروز لتصلي.

لم يعثر على مقعد شاغر، كل المقاعد وجدت من يؤنس فراغها، وقف جانب الحائط وسرّح نظره على الحاضرين، جميعهم صامتون ينظرون وينتظرون.

هنا سيّدة خاشعة تضم يديها وتتمتم صلاة قلبيّة، وبجانبها أخرى تنظر إلى بعد لا مرئي وهي تنقّل حبات سبحتها بين أصابعها. على المقعد أمامها مجموعة أشخاص عرف منهم أطبّاء من المستشفى يكبرونه عمرًا.. لا شكّ أنهم عرفوا بالموعد من مصادرهم الخاصّة، وقربهم جلس شابّ وفتاة يشبكان أيديهما بشغف واضح وكأنّهما في موعد غرامي وبالقرب منهما جلست مجموعة فتيات يرتدين الحجاب ويترقبن بداية الصلاة.

كان ذلك مشهدا مصغّرا عن الوطن الذي طالما حلم به، هذا الوطن الذي وصفه الرحابنة وغنّته فيروز في مسرحيّاتها حديقة تزهو بتنوّع أزهارها وتُفَيِّئها أشجار الأمل.

وفجأة ازداد صمت الكنيسة صمتا وشخصت الأنظار ناحية المذبح، تقدّمت فيروز بخطوات واثقة أحنت رأسها راسمة إشارة الصليب وسجدت راكعة في المكان المعدّ لها. لم يكن هناك من تصفيق، كان الصّمت يمتلك الكنيسة.

وما أن بدأت بالتّرتيلة الأولى حتى شعر وكأنه يرتفع مع الجمع إلى مكان نقيّ بهيّ وكأنّه ريح تطفو على وجه المياه “معنا هو الله” ردّدها معها “معنا هو الله”.

لم يكن يحب التّراتيل وكان يخشى على اللّحن أن يأخذه بعيدًا عن كلمات الصلاة فهو يحيا كل كلمة في الصّلاة بمعناها وحقيقتها ولا يحتاج للحنٍ يرافق المعنى ويسهّل عبوره إلى أعماق الذّات.

ولكن هذا الصّوت، هذا اللّحن الطبيعي اليوم كان يصلّي معه “أنا الأم الحزينة وما من يعزّيها” هي فعلًا حزينةٌ في كل نبرةٍ من نبرات صوتها، في كل حرفٍ يخرج من حنجرتها “فليكن موت ابنك حياة لطالبيها”.

حمله اللّحن خطوة حزينة تلو الأخرى، صوت فيروز الشّجيّ يحاكي حزن اللّحظة وألم الاستشهاد وهيبة المصلوب. أكملت بصوتها الرّخيم الفريد حتى اليوم بين الشعوب

 “اليوم عُلِّق على خشبة الذي علق الأرض على المياه” 

كانت عتمة الكنيسة تزيد من وحشة صوتها وحزنه فلم يعد يسمع فيه صوت غُربة ووَردة وزيّون، إنّه صوت ناطورة المفاتيح تصلّي على عتبات بعلبك في مشهد الرّحيل

“يا يسوع الحياة في قبر وضعت فالجنود السماوية انذهلت”

 أكملت تلاوة المشهد الحزين، لم يكن يعي مشاعر الحضور كان الجميع يسيرون معها في سكون صوتها الرّصين، لم تكن تلك حفلة ولا مهرجانً، كان ذلك موعدًا للصّلاة الإنسانيّة، وكانوا يصلون معا، حملهم صوتها إلى أعمق درجات الحزن الذي تختزنه كلمات التراتيل قبل أن تعود فترتفع بهم إلى مراتب الفرح تدريجيًّا

“كامل الأجيال تقدم التّسبيح لدفنك يا مسيحي

تسارعت دقّات قلبه مع اللّحن النّابض الذي يرسم إشعاعات الحياة المنبعثة من عتمة الموت، وانحدرت فجأةً بصوتها إلى أخفض طبقة مستطاعة فلامست أعماق روحه وهي ترنّم “المسيح الحياة حين ذاق الممات أعتق الناس من الموت ولقد منح الآن الحياة للجميع”

كانت التّراتيل تتتالى برشاقة وأناقة منضبطةً مع إيقاع صوتها، فأصبح اللّحن البيزنطي العريق هو الذي يتدثّر بصوتها ويطوّع نفسه وفق أبعاده، لم يعد للوقت مقياس ولا للزمن مدًى منظور، كانت وكأنها مجرّد لحظات مرّت على بداية الصّلاة وإذا بصوت الجرس يعود به إلى أرض الكنيسة ويسمعها تنشد طروباريّة القيامة

 “المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للّذين في القبور” 

معلنة بذلك نهاية الصّلاة.

 ساعة كاملة مضت وكأنها لحظات.

صمتت وأغمضت عينيها، وأبقت على إحناءة رأسها أمام المذبح.

حافظ الحضور على صمتهم الذي فرضه صمتها، ملكت السّكينة على حراس شفاههم.

 وقفت وانحنت أمام أيقونة السّيّد وغادرت المذبح، لم تنتظر تصفيقاً ولا تهليلًا، أنهت صلاتها وغادرت.

إستغرق الحضور ثوانٍ ليستفيقوا من حالة الصّلاة العلوية التي حملتهم تلك السّيدة إليها، وحينها لاحظوا أنّها غادرت فاشتعلت أكفهم بالتّصفيق وتحولت الكنيسة الحزينة إلى ساحة من الفرح، ولكنها لم تعد لتحيّة جمهورها، هم لم يكونوا حينها جمهوراً، كانوا إخوةً في الصلاة.

لعلّ هذا ما يجعل من هذه السّيّدة والأخوين الرّحباني ظاهرةً مختلفة يطول عمرها في ذاكرة الحضارة، فهي لا تبيع الأغاني والأعمال الفنيّة، هي تصلّي مع المصلّين وتكمل طريقها.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.