بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر
ما زالت بداخلي تلك النيران التي أدعوها صديقة، فهى ألِفَتني وألفتُها منذ زمن، بل أزمنة، مازالت تشاغلني وتحايلني وتباغتني فى جوف الليل لأصحو كقطة بحاجة إلى أليف، فألتحف فى عز الصيف بردائي كي أبتعد عن ملمسي وأتألّم.
-لعلكِ يَئسْتِ؟
توترني الكلمة، تنثر الملح على جرحي المتقيح، وكأن اليأس ليس كلمة من ثلاثة حروف عجاف، بل وحش جاثم قرب نهاية طريقي ينثر الحمم من كل ثناياه هنا وهناك.
الرغبة فى وجود ذلك الكائن الخشن أصبحت دائمة الإلحاح، دائمة الوجود، وكأن وجودي ذاته صار مقصوراً على البحث عنه وملاقاته قبل انتهاء الطريق.
لا بأس، لابد أن أذهب للحاق بعجلة الحياة التى بدأت فى الدوران خارج جدراني، أسمع ضجيج السيارات فى الخارج عالياً وموحياً بتأخر الوقت، الوقت، فاتني الوقت كثيراً، أدرك ذلك كل صباح رغم صحوي المبكر، اللعنة على كل هذا، ألا تكف جزيئات عقلي عن هذا الوخز المتواصل؟
يأتيني صوت إبراهيم يوماً ونحن نجلس فى مبكانا البعيد: عليك بالكفِ عن التأوه يا أميرة، سيظننا الناس عاشقين، رفعت عينين متورمتين وأجبته: أترفض أن تكون عاشقاً لي في نظر الناس؟
وابتسم لي:
ـ أنت أغلى من أن تكوني عشيقتي.
إبراهيم، هو لي صدر حنون أبكي عليه وكتف أستند عليه، لم يحادثني أحد من قبل عن تلك العلاقة الغريبة التي تجمعني بإبراهيم ولا أذكر كيف صرنا هكذا وكيف انمحت فواصل حياة كلينا أمام الآخر.
أعود لكلماته، سيظننا الناس عاشقين، كأن البكاء سمة الحبيبات فى زماننا المر هذا، كأن استجداء المرأة للرجل هو الحقيقة الباقية، كأن بكاءها بين يديه هو أصل الحياة، يشاطرني إبراهيم كل شيء إلا أنوثتي، إنه يرأف بها، ويرأف بي، يصارحني فى لحظة يتوقف فيها عقله وينطلق لسانه:
إنها لا تشاركني مشاعري، لم أصل معها لدرجة الفهم التي أرجوها، لا أدري ماذا على أن أفعل، لقد كدت أكره نفسي، ويفيق، فيقول معتذراً، معلش نسيت نفسي، حياة تفقدنا الشعور يا أميرة، وأنتِ كيف حالك؟
هو معتاد على معاملتي كما يعامل زهرة رقيقة، أحب فيه هذه الرقة التى أوقن عدم افتعالها، ولهذا هو يتوقف عن الوُلوج فى مناطق الوجع الأنثوي لدي، علاقاته مع الأخريات، وهن بعد ما زلن أخريات لأنه لم يجد من تقبل به وهو يحملني فوق كتفه، لكنه يسأل لمجرد السؤال ولا ينتبه لإجابة، فوجعه أكبر من اهتمامه فى هذه اللحظة، وأنا لا أضع مقصلتي جاهزة الاستخدام، تعلمت على يديه أننا بشر، ومن كان منا بلا هفوات ولا عيوب، فليصعد إلى السماء، إنه فى المكان الخطأ.
إبراهيم لا يراني امرأة، حاولنا يوماً بعيداً ولكنا عدنا أدراجنا بدون خسائر فى الأرواح الحائرة، عرفنا أنه ما من كيمياء تجمعنا بل هى فقط جغرافيا المكان، يلامسني بلا تعمد ولا احتفاء بنعومتي، بل فقط بطريق الخطأ كما هو الحال مع غيره من زملاء العمل، أو رفقة النادى، يلامسونني فى برود بلا اعتذار وكأننى أخت الجميع!
أنا لا أحلّ لأحد!.. اللعنة على كل هذا.
يعود عقلي بذاكرته إلى الوراء بينما امضي بسيارتي إلى الأمام للحاق بموعد عملي،
حقيقة الأمر أننى أضع تلك الغمامة على عيني لأبتعد عن عجائز العائلة المتسائلات عن أسباب طلاقي، وعن جلسات النميمة التى تصيبني شظاياها وتصلني رغم أنى أصم أذنيّ عنها، عندما أعلنت عصياني على الملأ وتمردت على قانون الأسرة، الذى ينسحب من قانون هندي يقضي بحرق الزوجة مع زوجها، كنت فى نظرهم ابنة عاقة، وامرأة بلا حاكم، ولكني لم أكن عاقة، ولم أكن امرأة، كنت مطلقة بعد خمسة أعوام من زواج مشئوم، وكنت سعيدة لفراره إلى الخارج بعد طلاقنا بفترة وجيزة.
وكنت وحدي الآن فى بيتى الجديد، أشعر ولأول مرة أنى عبرت فوق مأزق التعامل المرُغم مع الآخرين:
لا يليق بك أن تعيشي بمفردك يا أميرة!
وكأنى لم أكن أحيا بمفردي وسط أهلي، وكأنى لم أكن أحيا بمفردي مع زوجي.
ما بعد رحيله هو أحسن ما مر بي حتى الآن، ولكنى لا أريد حتى أن أضيع وقتي في تحليل هذه المرحلة من عمري، إنها انتهت وهذا يكفي، يكفي تماماً.
لكنه الاحتياج الضاغط علي، والذى يؤهلني بشراسة لانتقاء رجل، أي رجل، ممن يحومون حولي لتكتمل صورتي المنقوصة أمام الآخرين ولأحظى بطفل وأدته بداخلي مرات لعدم رغبتي في وجود كائن يتحمل نتاج كرهى لأبيه، كان قراري حراً فى تلك المرات، ربما لأنى لم أكن بذات الحرية فى اختياري لزوجي لضعفي وقتها، بالأحرى هو تسلط والدي الراحل.
يخبرنى إبراهيم بأنه يحسدني أحياناً لجرأتي، بينما هو كرجل يفتقد تلك الجرأة، يراني بطلة، لقدرتي على المواجهة، ولا يدرك أنى أرى نفسي بمنتهى الضعف، وبغاية الإحتياج، يخبرني أن مجرد وجوده كصديق هو أمر مستغرب فى مجتمعنا ويثير الأخيلة المريضة، يتركني بعدما دفع ثمن ما تناولناه فى ذلك المقهى وكأنه يقول لى: أنا أضعف منك يا أميرة.
توترني أفكاري وأنا ممسكة بعجلة القيادة فأجنح إلى جانب الطريق وأتوقف قليلاً، لكنى حتماً سأستأنف المسير.