هجمة عيد القيامة

هجمة عيد القيامة

د. هشام منصور

الصورة: بعدسة المصور اللبناني شادي موسى «الميه وميه»

تابع سيره مسافةً قصيرةً بعد قلعة صيدا الأثريّة وانعطف بسيارته إلى اليسار متوجّهًا إلى ساحة الشّهداء، ليدخل الشّارع مقابلها قاصدًا أحد بائعي الحلوى الذي اعتاد الشّراء من عنده لجودة صناعته وسهولة الرّكون أمام متجره.

ينعاد عليكم” قالها له البائع وهو يناوله قطعة بقلاوة شهيّة على عادات البائعين في الضّيافة

لم يكن على البائع أن يُتعِبَ نفسه في التَّفرُّس في ملامح الشَّارين ولكنتهم ليعرف إن كانوا يقيمون العيد هذا اليوم، فيبادرهم بالتّحية المناسبة؛ فالجميع يحتفلون معًا هذه السّنة فيوم الخميس كان أوَّل أيّام عيد الأضحى والبارحة كان يوم الجمعة العظيمة وغداً عيد القيامة.

خليطٌ من الأعياد على ضفافِ شاطئ عرف نُشُوء الدّعوات السّماويّة وشهدت أرضُهُ عبور الأنبياء والقدّيسين، ولكنه قلّما عرف السّلام.

راقبه وهو يرصف الحلوى في صينيّة دائريّة ويغلّفها بقطعة بلاستيكيّة شفّافة ويربطها بشريط أبيض كما يليق بالهدية، أما العلبة الثّانية فلفّها بورقة بنّيَّة بسيطةٍ فبَدَت كطردٍ بريدي بما أنها للاستهلاك المنزليّ.

حبذا لو يسرع البائع بعض الشّيء فهو يريد متابعة قداس سبت النّور من البداية، والسّاعة بدأت تقارب العاشرة

هو يعلم انّه لن يجد مكانًا للجلوس، فمقاعد الكنيسة تمتلئ عادةً قبل القداس بساعاتٍ هذا الأسبوع على غير عاداتها طوال الخمسين يومًا السّابقين من الصوم. فأهل الضّيعة معظمهم من سكّان المدينة ولكن الضّيعة تبقى محجّتهم الأولى في هذه المناسبات وإن أتى بعضهم من وراء البحار ليعيش تجربة هذا العيد، على الأرض التّي شهدت عبور المخلّص منذ ألفي عام.

فمن مساء الخميس دخلت الضّيعة في حالة مهرجانٍ إنسانيٍّ رائع سيستمرّ خمسة أيّام على الأقلّ. أيّام يتوقف فيها الزّمن عن الخضوع لدوران الشّمس ويختلط سبات اللّيل بيقظة النّهار فيتوقّف البشر عن الخضوع لإملاءات الكواكب ويعانقون جذوة الحياة. فتضيق طرقات الضّيعة بالشّباب والصّبايا والكهول والعجائز الذين يتركون عزلة بيوتهم بحثًا عن مشاركة فرح هذه الأيّام الجديدة التي صنعها لهم الرب. فتصير ساحات الضّيعة الثّلاث في حالة حركة دائمة كلّ ساحة ولها روّادها.

أصبح ذلك مشهدًا مألوفًا بعد العودة إلى الضيعة منذ بضعة سنوات وبالتحديد بعد ستّ سنوات وأربعة أشهرٍ وبضعة أيّامٍ من التّهجير القسريّ بعيدًا عنها؛ حين قامت الحرب بتفكيك مجتمعٍ قائم بحدّ ذاته فتوزّع أهله في مختلف المدن والقرى واكتسبوا عاداتٍ وتقاليد جديدةً أعطت وجهًا جديدًا لحياتهم.

ساحة التّمثال بعد التّهجير تختلف عنها قبله في ليالي الأسبوع الذي يسبق العيد. هو يذكر حينها كيف كانت تغصّ بالوافدين إلى الفرن حاملين الصّواني السوداء المستطيلة مملوءة بالمعمول والأقراص المعدّة في البيت والمصفوفة بعناية، يرسلونها إلى الفرن لخبزها فتنتقل عجقة المنازل إلى الساحة.  أمّا في البيت فيكونون مستمرين بسلق البيض وتلوينه مستخدمين قشور البصل وزهور “البيسومة” الصفراء التي تملأ حقول الضيعة، استعدادًا لتقليد “مداقصة” البيض طوال سهرة السّبت عند ساحة الكنيسة، فيعود الفائزون بكنزٍ من البيض المسلوق المكسّر يكفي طعامًا لشهرٍ على الأقلّ. أمّا حديث السيدات فيبقى لأسبوعين تاليين استفتاءً عن التي تفوّقت في صناعة المعمول والأقراص هذا العام. أما يوم الأحد فرائحة زهور الربيع لا تفلح في الوصول بين البيوت التي تغلفها رائحة المغربيّة التي تُعتَبَر وجبة العيد بامتياز.

معظم هذه التّقاليد لا زالت هنا، ولكنّ الفرن أقفل أبوابه وأصبحت السّاحة للسّمر والسّهر وانتظار شروق الشّمس.

تخطّى مستديرة السّراي وتوجّه مسرعًا إلى دوّار الأميركان صعودًا إلى الضّيعة، عليه أن يسرع فالقدّاس على وشك الابتداء

لم يكن هذا العيد كعيد الميلاد، بزياراته وتبادل الهدايا فيه وإلى ما هنالك من الاجتماعيّات التي تعطي مكانها في العيد الكبير للمارسات الطّقسيّة التي أصبحت وجهًا فلكلوريًّا واجتماعيًّا إلى حدّ كبير، وخاصّةً عندما يكون كاهن الرّعيّة من أولئك الّذين يمتلكون نعمة الوصول إلى حالة النّشوة الرّوحيّة خصوصًا في بداية الأسبوع العظيم، فيحمل معه أهل الرّعيّة إلى فضاءات من الفرح الذي يلوّن حياتهم بألوان قوس قزح. فتصير صلوات هذا

الأسبوع حدثًا بحدّ ذاتها.

كانت الكنيسة تعجّ بالحاضرين كما توقّع، الغالبيّة تتابع الصّلاة ردًّا أو مشاركة مع الجوقة المحترفة الّتي يفتخر بها أهل الضّيعة كونها أحد أفضل جوقات المنطقة، أمّا على الأبواب فالكثيرون يقفون متلاصقين، بعضهم يلازم مكانه وبعضهم يداوم الدخول والخروج عندما يجد أن الرّتبة طالت أو حين يعثر أحد المرتّلين على حرف علّة تمتدّ به حنجرته بعضًا من الوقت

جميعهم ينتظرون رتبة رشّ الغار، كاميراتهم حاضرة وأكفّهم حاضرة وآذانهم منصتة. ولكنّهم لن يصلوا بسهولةٍ إلى تلك الرّتبة، فالكاهن يتبع الطّقس القديم أحيانًا بحذافيره، هناك على المذبح بحلّته الخمريّة قرب المبخرة والشّموع. البعض بدؤوا يتململون، ساعةٌ من الزّمن في رتبةٍ بيزنطيّة يوم السّبت، تستلزم بعضًا من الجَلَد.

وحانت السّاعة، بدأ قرع الجرس، حمل الأطفال سلال أوراق الغار ولحقوا بذلك الكاهن النّشيط الذّي أخذ يرمي أوراق الغار بكلتا يديه فوق رؤوس المصلّين باعثًا فيهم فرح العيد ممزوجًا بحماسةٍ وابتهاجٍ قلّ نظيرهما، الجميع يبتسمون وبعضهم يحاول التقاط بعضٍ من أوراق الغار يحملها معه إلى البيت بركةً من ذلك اليوم

الجوقة لا زالت ترنّم ملْءَ حناجرها:

قم يا الله واحكم في الأرض

لأنك ترث جميع الأمم

وما هي إلا لحظات حتى تتوقّف الجوقة عن التّرتيل ويبدأ الكاهن ومعه المصلون بالتّرتيل مكانها ومن ثمّ بالتّصفيق، بعضهم كان خجلًا من المشاركة في هذه العادة الغريبة، الكاهن يصفّق ويحمّسهم بإشارةٍ من يديه. وما هي إلّا لحظاتٌ حتّى انتظم تصفيق جميع الحضور بنغمة ابتهاجٍ واحدة، حتى فراغ السّلال من الأوراق. قد انتهى الصّوم وبدأ العيد رسميًّا من تلك اللّحظة

لن تمضي بضع ساعات حتّى تُحوِّل جمعيّة السّيّدات الكنيسة إلى خليّة نحلٍ، ينظّفْنَها ويزيّنْنَها استعدادًا لرتبة “الهجمة“.

كانت السّاعات سريعةً حتّى المساء، فالزّائرون المهنّؤون بالعيد كُثُرٌ يروحون ويجيؤون. والتّحضيرات ليوم الغد لم تنتهِ بعد

حركة السّيّارات في الضّيعة تزيد من ضيق طرقاتها التي يملؤها المشاة. لا أحد يلتفت إلى غياب الشّمس أو حتّى إلى عقارب ساعته ذلك اليوم. النّزهة الليليّة يومها أشبه بقراءة مقاطع من كتب مارون عبّود أو سلام الرّاسي. قادته قدماه إلى أمام ساحة الكنيسة، كان الشباب يتناوبون على دقّ الجرس في مبارزةٍ ستستمرُّ إلى ما قبل الهجمة، مساكينٌ هم سكّان البيوت عند السّاحة، لن يحظوا بساعة نومٍ هذه اللّيلة.

عاد إلى منزله على مهل علّه يحظى ببضع ساعاتٍ من النّوم قبل الصّلاة

ضبط منبّه ساعته على ساعة الصّلاة وفتح شبّاك الغرفة المواجه لحارة صيدا سامحًا لنسيم الرّبيع بالتّغلغل في غرفة نومه على مهل، على الأقل سيضمن بهذا أن توقظه صلاة المؤذن عند الفجر في حال لم يوقظه صوت المنبّه.

مضت ساعات النوم القليلة سريعًا قبل أن يعود إلى طريق الضّيعة الذي لم يكن خاليًا عند السّاعة الرّابعة فجرًا، وحتّى حينها كان وصوله متأخّرًا إلى كنيسة امتلأت كلّ مقاعدها.

هلمّوا وخذوا النّور“…  

بدأ الكاهن بإضاءة الشّموع للمصلّين الّذين أخذوا بالخروج إلى السّاحة، انتظر الكاهن أن يخرج آخر شخص من الكنيسة قبل أن يقفل الباب ويتوجه مع الجوقة إلى الجهة المقابلة من السّاحة لإداء الرّتبة. خلفه لون السّماء الأسود بدأ بالانحسار لتطلّ إشعاعات الشمس الأولى لهذا الصّباح

السّاحة تضيق بالحاضرين، شرفات المنازل المحيطة مليئة بالمصلّين الذي اختاروا هذه المواقع الإستراتيجيّة الكاشفة على كلّ حيثيّات السّاحة والحدث، بعضهم مزوّدون بكاميرات تصوير عاديّة أو كاميرات فيديو، يوثّقون الحدث الجميل بدقائقه وكان هناك بعض الفتية الذين يتابعون المجريات من على سطوح المنازل.

على أرض السّاحة الجميع يمسكون شموعهم المضاءة التي تصارع بنورها بزوغ شمس النّهار ويرنّمون بابتهاج، دون أن تخلو رصانة صلاتهم من بعض التّعليقات مثل “شمعتي انْطَفِت خلّيني ضوّي منّك” أو “أوعى، انتبه ما تحرق تياب اللّي قدّامك“.

كان شروق الشّمس بداية العودة إلى الكنيسة. تراجع الحاضرون الذين ملؤوا السّاحة وأفسحوا المجال للكاهن للوصول إلى الباب الرّئيسيّ المغلق الذي تزيّنه لوحات نحاسيّة محفورةٌ بدقّةٍ وإتقان.

قرع الباب بقوّةٍ هاتفاً:

إرفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدّهريّة ليدخل ملك المجد

ومن هو ملك المجد” أتاه الجواب من خلف الباب المغلق

الرّب العزيز الجبار، الرّب الجبّار في القتال

أعادوا الحوار ثلاث مرات قبل أن يدفع الأبونا الباب بعنف في المرّة الثّالثة فينفتح على مصراعيه ويهجم الأبونا والمصلّون إلى داخل الكنيسة عبر الباب الذي يضيق بتدافعهم. يتقاطرون بعشوائية وبسرعةٍ بغضّ النّظر عن العمر والقوة البدنيّة.

هو هجوم بكل ما للكلمة من معنًى ترافقه ابتسامات المتدافعين الفرحين بهذا التّقليد العتيق وبهذا الهجوم إلى ملكوت السّلام.

داخل الكنيسة الثّريات الضّخمة لا زالت تتأرجح ذات اليمين وذات اليسار بعد أن كان الكاهن قد قام بهزّها إبّان دخوله إلى الهيكل بعد أن تسلّق المقاعد للوصول إليها.

نصف الحاضرين قفلوا عائدين إلى بيوتهم بعد انتهاء رتبة الهجمة ليحظوا ببعض ساعات من النوم قبل بداية نهار العيد، بينما بقي الآخرون لمتابعة القداس الذي دخل في نوع من الفوضى الشّعبية فالكاهن والجوقة يتابعون الصلاة والحاضرون انقسموا بين المصلّي وبين الذي يقبّل قريبه أو يصافح جاره مهنّئًا إيّاه بحلول العيد.

الكاهن لن يطالبهم بالتزام الصمت على عادته، فصلاة العيد الصّحيحة ليست نصوصًا مكتوبةً بقدر ما هي فيض مشاعر من المحبّة والفرح بوجودنا على وجه هذه الأرض.

لن يطول الوقت حتى يعطيهم البركة الأخيرة ويدعوهم إلى مفاقسة البيض وبعدها ينطلقون إلى العيد بين أهلهم.

شعاع الشمس بدأ يتسلل من الكوة المستديرة فوق المذبح، إنَّ نورها يزداد سطوعاً ملقيًا خيوطه الذّهبيّة على وجوه المصلين، معلناً بداية المسيرة على درب العيد الجديد. كثيرون يغالبون النعاس، ما هي إلا لحظات ويستيقظون من جديد على حياة لا زالت تعطيها الأعياد مساحةً من الفرح وفضاءاتٍ من الأمل، فيها شعاع شمسٍ وبصيص إيمانٍ بأن هناك كائناً أعلًى يحتضِنُنَا بمحبّته وعطفه ورحمته.


*الهجمة هي رتبةٌ كنسيّة سنويّةٌ يقيمها مسيحيّو الشّرق الذين يتّبعون الطّقس البيزنطيّ عند إشعاعات الفجر الأولى من صباح أحد عيد القيامة.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.