غيبوبة

غيبوبة

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان الروسي أليكسي فون جولينسكي

افترشت الأرض أمام غرفة العمليات وبيدي كتاب الله ورجائي للخالق لا ينقطع بأن يمد في عمر ابني الذي يجري جراحة خطيرة، لم التفت لأياد كثيرة تربت على كتفي لتطييب خاطري، فقلبي كان معلقا بأنفاس وحيدي الذي وهبته عمري ولا اتخيل لحظة في حياتي بدونه.

شاء القدر أن أنجو من الموت في حادث توفي فيه زوجي واثنين من أبنائي استفقت من الغيبوبة، وآخر من تذكرته ونحن في طريقنا لقضاء إجازة في إحدى المدن الساحلية ارتطام شاحنة كبيرة بسيارتنا قبل انقلابها، فتحت عيناي فوجدت فقط ابني الكبير الذي تخلف عن مرافقتنا لانشغاله بتدريباته الرياضية.

سألته: أين شقيقيك ووالدك؟

صمت ثم انهار على صدري، وشاركته النحيب.

فجأة انقلبت الأيام الهادئة مع زوج عطوف تفاني في إسعادي إلى ليالي حزينة صامتة، وبعد العلاج من صدمة نفسية وعصبية أدخلتني في اكتئاب حاد، اجتزت محنة آلامي بصعوبة، كفكفت دموعي ولململت جراحي، وبدأت انتبه إلى أن المصنع الذي بناه زوجي بتعب وجهد سنين بدأ ينهار وبات مهددا بالغلق إثر الإهمال.

غمرت ابني أغلى ما أملك في الحياة بحبي وحناني، وفي كل يوم يشتد فيه عوده، اشعر باقترابي من فرحة انتظرتها أعواما تعوض الصبر على أوجاع فقد الأحبة.

وفي يوم فشلت فيه في السيطرة على دموع الفرح، زف ابني من فتاة أحبها، ثم أنجب طفلا جميلا، وعندما كنت أمطر حفيدي بوابل من القبلات واحتضنه بشدة أشعر بدفء يسري بجسدي البارد منذ رحيل زوجي.

وكأن الزمن يأبى أن تعرف السعادة طريقي فقد تلقيت اتصالا هاتفيا من أحد العاملين بالمصنع يفيد بسقوط نجلي مغشيا عليه، وبعد فحوصات وأشاعات قرر الطبيب إجراء عملية عاجلة.

وفي ليلة تجهيز ابني للجراحة، طالبني بالاقتراب منه وهمس في أذني: أمي الحبيبة أوصيك بابني وزوجتي لو شاء الله ولفظت أنفاسي الأخيرة.

كاد قلبي يتوقف من الحزن والقطعة الباقية من روحي قد تفارقني، لم ايأس من رحمة الله، وقضيت هذه الليلة اتوسل إليه وبداخلي رضا بقضائه.

وفي طريقه إلى غرفة العمليات تشبث ابني بيدي، فقبلت يديه وجبينه وودعته بنظرة أمل وقلت له: انتظرك وزوجتك وابنك.

بللت دموعي أوراق المصحف، والدعاء لم يتوقف، بعد دقائق قد يخرج ابن عمري من هذه الحجرة جثة هامدة.

 في غمرة انهزامي ووسط بكائي، خرج الطبيب من غرفة العمليات، هرول كل من حولي نحوه، ووقفت بعيدا انتظر كلمة واحدة قد تحيني أو تنهيني نطقها: مبروك العملية نجحت.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.