ريما إبراهيم حمود
اللوحة: الفنان السعودي عبد الله حماس
جدران الخيمة الرقيقة تهتز.. تظلّ تتحرك طوال الليل حتى أشعر بالعري.. أغمض عيني فأراني نائمة عارية بلا غطاء، يلّتفّ حولي الناس متأملين جسدي المنهار.
أصحو جزعة على ذات الحلم كل ليلة.. فألفّ جسدي المنهك بالغطاء اليتيم الذي حصلت عليه حين دخلنا المخيم.. أشدّه وأشدّه حتى أعود رضيعا تخاف أمه أن يخمش وجهه فتضيق اللفاع عليه.
أتقلب.. أراقبهم نياما.. يلتصقون ببعضهم يد صغيرهم على وجه كبيرهم وأوسطهم يضع قدميه مكان رأسه، والغطاءان فوق أجسادهم متنافران.. أعيدهما إلى مكانهما كل ساعة وأرتب نومهم فيعيدون بعثرة أجسادهم مرة تلو أخرى.
لا فائدة إذن!
الليل بين الخيام هش مشرع الأذنين على أصوات الجياع الخائبين القلقين بين الخيام.
الليل يفضحهم يلوي أعناقهم بالصمت فتصير همساتهم صراخا وحركاتهم فوق تراب الأرض معركة.
أريد أن أنام.. أن ألصق ظهري بحائط إسمنتي بارد ألمسه أعلق عليه صورة أطفالي وأتأملها قبل أن أغفو.. أقف أمامه فلا أقع.. أتقي به الأعين والأصوات.
أريد أنا أنام.. ولا تراقبني السماء ولا تمد الأرض يدها إلي.
أقوم من فراشي الرقيق الصلب.. أقف وسط الخيمة، الصغار عن يميني وهو عن شمالي ملفوف بلحافه كدودة.. أمي قرب الباب.. أقترب منها.. أهزّها.. تفتح عينيها علي في العتمة.. أقبّل يدها.. أقول لها: (أعطني حائطا يا أمّي وخذي كل الرجال إلى الجحيم (.
عتمة
- لماذا يصرّ الجميع على إغلاق الستائر؟؟!!
همست في أذن الجالسة بجانبها، لم تجبها، جلست واضعة كفا في الأخرى، بدا عليها قلق وهي تشهد كل من يدخل إلى المكان الواسع المليء بالشمس يسحب ستارة ما بِغلّ قديم حتى يغرق النافذة تحتها.
بدأت تهز قدمها اليمنى.. حاولت أن تشاركهم نهمهم للحديث في كل شيء؛ السياسية، المجتمع، الفن، لكنها تراجعت أكثر من مرة تحسبا لأي صراخ قد يوجه إليها.
اضطربت، دارت في المكان المليء بالطاولات التي يلتفون حولها، دون أن يشعر بها أحد، كلما اقتربت من ستارة مغلقة و قبل أن تصل يدها إلى الستارة يصرخ الجميع بصوت واحد:
- لا..
فتفزع في كل مرة و كأنها المرة الأولى.
حاولت أن تتوقع عدد الستائر التي ستغلق والمغلقة، فيدخل أحدهم فجأة لتعيد العدّ من البداية مرة أخرى.
وضعت رأسها على حافة الطاولة الخشبية الكبيرة.. غفت.. حين رفعت رأسها لم تجد أحدا، لم تجد شيئا، كانت تسمع ضجيجهم فقط، مدّت يدها أمام وجهها.. لم ترها، هزّت رأسها فأدركت أن العتمة احتلت المكان بأكمله، وقفت، أرجعت الكرسي إلى الوراء فاصطدم بشيء ما، مشت يمينا تعثرت سقطت، سمعت تحطم زجاج ورنين ملاعق وسعالا حادا، تحسست طريقها في العتمة مصطدمة ببعضهم، دون أن يلاحظوا ذلك، اكتشفت حائطا، لازمته بيديها و جسدها، حتى وصلت إلى ستارة.. سحبتها بنزق.. صرخت:
- هل كان عليكم أن تغلقوا كل الستائر؟