نورة عبيد
اللوحة: الفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر
لم تكن مزار صديقة ولا رفيقة كانت زميلة في مدرسة خاصّة للتّعليم الأساسي بمنوبة ملحقة بمدارس أسقفيّة تونس، لم تكن رديئة ولا ذات فضائل وإنّمّا طبيعة المهنة خلقت بينهما حساسيّة زائدة فالتّخصّص في تدريس العربيّة رجّح كفّة لورا على مزار، فأحبّها المدير الأب مارتنو، وعدا خلفها الأطفال إلى أجنحة الحلم دون تحفّظ.
وما إن تطأ قدماها ساحة المدرسة حتّى تشرع في التّسليم على الحديقة الشّامخة الدّقيقة التّرتيب صفّان من نخيل تحضنان أشجارا رقيقة تؤثث الفضاء مثنى مثتى، يقطع توازيهما حوض مائي من رخام أصيل، تسبح في مائه المتجدّد بفضل عناية الأب لورون سميكات خمس بها الحمراء والصفراء والبرتقاليّة واثنان من عنبر وعقيق
ولمّا لاحظ الأب لورون ولعها بتفاصيل الحديقة المرحّبة بالزّائرين آسرة المارّين والعابرين من عرب وأجانب بارك استحسانها وأخذ يتفنّن في إبراز تخصّصه بعالم الأسماك النّاميّات في الماء العذب فهي أعذب من البحريّة إذ تتأثّر بمزايا راعيها ولذلك هو على موعد دائم ليرعى حياتها ويحافظ على نضارة ألوانها!
لم تكن مزار لتستأنس بها وتسرّها ولكن وجود نزيهة بالمدرسة صديقة مشتركة بينهما أذاع بعض الخصوصيّات عن كليهما أمّا لورا فعافت المعجبين والمحبّين وقلبها معلّق بحبيبها المهاجر دون رجوع يقين وأمّا مزار فقد غادر فوزي تونس ليهيم بباريس والمصير وتركها دون وعد أو عهد يبرّد الخاطر ويكذّب اليقين ولذلك كلّما حاصرها وهم العودة تختفي بغرفة نزيهة ولورا المشتركة، كانت تفضّل السّرير الخشبيّ المريح والغطاء الأخضر الوبريّ و الخربشات الجريئة خلف الظّهر المنسيّة وبدأت شيئا فشيئا تستأنس بلورا ويغريها أن تكون مثلها ولكنّها لا تستطيع، فلورا طلّقت العلاقات القائمة على المجاملة، وتعوّدت على مناجاة نفسها، واحتملت وحدتها في هدوء وفي منأى عن الوعود والعهود الضّالّة، ومزار لم تتخلّص بعد من مجاملة من لا يجب مجاملتهم كأولياء التّلاميذ والزّملاء المخلّين بواجباتهم والمخالفين لضمائرهم، وهذا الأمر كاف ليبعد لورا عن مزار.
تتعاقب الأعوام كما تتعاقب أضغاث الأحلام والمدرّسات بالمدرسة يزددن سوءا، والتّلاميذ يزدادون تألّقا وانسجاما، فالمهمّ أن ينمو العمل ويتقدّم المتعلّمون ويرضى الأولياء والمربّون ثمّ تقام حفلة آخر السنة، ويحضر الضّيوف الشّرفيّون، ويطمئن مندوب حماية الطفولة على حقوق الطّفل وتستمرّ الاتفاقيّة بين الأقليّة فبعيد أمتار تتردّى الطّفولة في المدرسة العموميّة
لم يتسنّ للأب مارتينو أن يبقى مديرا بالمدرسة وبمجرّد أن غادر الفضاء، غادرت معلّمات ومنهنّ لورا فقد كانت على موعد مع المسنّين ترعاهم بما أوتيت من راحة البال.
تزوّجت نزيهة وهاجرت مزار كما هاجر فوزي وبقي المكان يلعن خسارة من كنّ بعض زينته.
أسّرت نزيهة للورا ذات مساء شتويّ رائع تغلّبت فيه زخّات المطر على الضّجر، أنّ القيّمة العامة بالمدرسة اقترحت على مزار أن تتعرّف على ابن خالتها العائد من كندا والحاصل على الدكتوراه “في جماليات التّلّقي”
وبعد أن تمّ التقاء الصّوت بالصّوت، تواعدا على لقاء بمحطّة البساج للمترو الخفيف بتونس العاصمة
استعدّت مزار للموعد مغالبة تطيّرها من هذه الطّريقة في التّعارف بين الذّكر والأنثى بلغت المكان قبل الأوان حتّى تراقبه من بعيد، كانت ترصد النازلين من المترو القادم من منوبة تتفرّس الوجوه والهيئات، حثّى استقرّ نظرها بطيف غائر في الزّحام ذو بنية ضعيفة وقامة قصيرة يخرج هاتفه المحمول، ويركبّ رقما، فيرنّ هاتفها في الآن تخرج الهاتف من حقيبتها الجلديّة الفاخرة تتأمّل الرّقم ودون أن تجيب تغادر المحطة إلى وجهة غير معلومة.