صانع أوقات البهجة

صانع أوقات البهجة

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان السوري لؤي كيالي

كلما مررت على الكوبري، ناوش الحذاء عيني والمياه تقله، وظل ابتسامة تولد من وجه يعطي ملامحه، أراه بكامل تقاطيعه، يبتسم ببهجة كانت تملأ محيط اللعب تحت السنطة، أجلس فأتذكر الولد النحيف ومقطفه الصغير وخطواته المسرعة وأنا برفقة أمي وقت عودتنا من مكتب البريد، بعد قبض معاش أبي..

أغمض عيني، فأراه يدق باب البيت، دقات حانية، يبتسم أبي الجالس على كرسي الخيزران، ويومئ نحوي لكي أستقبله، أراهبجسده النحيل المختفي بين طيات فانلة وجلباب مبرقش بالرقع والبقع، بيننا عتبة البيت، نتواجه في فرحة حتى يأمرني والدي بالذهاب معه.

تتشابك الأيدي، ونجري، وفي مملكة اللعب تحت سنطة عجوز نقف، وبخبرة أيام سابقة يخلع كل واحد منا جلبابه، نظل بالملابس الداخلية، أنا بالشورت والفانلة المزهرة، وهو بفانلة تطرزها الثقوب وسروال من الدبلان يمرح على حجره نهايات أستك.

نقتسم الأرض بالتساوي، نخططها إلى أحواض صغيرة بينها قنوات، ونجعلها حقلا للبطيخ، كل ثمرة قبضة من تراب الطريق، وبكوز نخفيه في طين الترعة، نحمل المياه بالتبادل، نُغرق الأرض، ثم نجلس بجوارها على بساط من النجيلة الخضراء، نفتح القلوب ونُخرج كل ما فيها من أحلام، أحلام صغيرة بحجم قلوبنا..

غاية ما أرجوه من أحلام، كان يدور حول امتلاك طائرة ورقية، كالتي رأيتها بحوزة عيل من عيال المدينة، وأنا برفقة أمي حينما عرضتني على طبيب العيون في مستشفي المركز، رأيتها تحلق في العلالى، تروح وتجئ، وتعلو وتنخفض، والصغير يمسك بالخيط، يوجهها ويتحكم في ارتفاعها بمهارة، قلت لرفيق الدرج إنها تشبه الفراشة في خفتها، فتعجب من قولي.

بعد شهور قليلة امتلكت واحدة، صنعها لي زميل أبي في العمل، يومها طرت إلى رفيقي، اخترقت شوارع البلدة، والطائرة في حضني، ولفة الخيط في جيبي، صلت إلى حارتهم، فلمحته غاطسًا في معجنة طين، تسمرت محتارا، أذهب، لا أذهب.. في النهاية مالت الكفة إلى إكمال المشوار.

ركنت الطائرة على حجر قريب، وهممت بنزع الجلباب، بغرض القفز بجواره، أعينه على ما يقوم به، أمه منعتني وأمرته بالخروج كي يجلس معي، رفض، لكن الأم شمرت سروالها ودفست فيه الجلباب وأرغمته على الخروج وطالبته بتنظيف نفسه، وقبل أن نفارق المكان، قالت له:

ـ قبل غروب الشمس تكون هنا.

في مملكة اللعب تحت السنطة، أعددنا الطائرة، وبعيدا عن غصون الشجرة، أطلقناها، كنت أتبادل معه التحكم فيها، يضحك فاضحك، سعيدا كان بحلم تحقق لي، وأنا أسكرتني نشوة الطائرة ونسيت حلمه ليوم سألته عنه، فقال:

ـ حذاء.

لم أعقب، واكتفيت بإلقاء نظرة إلى ما في قدميه، وجدته حذاء لكنه من البلاستيك الرخيص، تمرح على لحمه رسوم صغيرة، غصن هنا وكرة هناك، وسهم يخترق قلبًا يقطر بعض الدوائر الحمراء.

مات أبي، وقلت حركتي، وذات مرة كنت عائدا برفقة أمي من مكتب البريد، فلمحته متسللا تحت إبطه مقطف من الخوص، يتجه إلى الطريق المؤدية للعزب المتاخمة لبلدتنا، كل منا كان حريصا على تجاهل الآخر. نظرت إلى قدميه لم أجد الحذاء البلاستيكي، وجدت بدلا منه “كوتشي”، كل فردة منه يوجد بها فتحتان، واحدة في كل جهة، ابتسمت له لكنه أدار وجهه بعيدا ولم يبادلني سعادتي بتحقيق حلمه.

قبل زوال يوم شتوي، وبينما نروي حقولنا، مر علينا عيال من العزب القريبة، وقف أحدهم بالقرب من أحذيتنا وملابسنا، وهمس لأقرب واحد منه، بينما إصبعه يشير إلى “الكوتشي” وقال إنه كان ملكه ذات يوم، رفيقي لمح الهمس، وتشاغل بما كنا نقوم به.

أثناء العودة الأخيرة، استوقفني، والحذاء في يده وقال:

ـ أدور بالمقطف على البيوت البعيدة، أدق الأبواب، باب يفتح وباب.

لم يكمل وتركني وجريحينما غابت شمس ذلك اليوم، كنت ضمن حشد من أهل البلد نتلمس طريقنا بواسطة كشافات النيون، تنفيذا لكلمة خرجت من فم عجوز:

ـ الماء.

هنا وقفنا بعيون مفتوحة، والحذاء يعتلي ظهر الماء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.