د. حسن الزيدي
اللوحة: الفنان اليمني عبد الفتاح عبد الولي
ورد مصطلح (عالم ثالث) عام 1952 في مجلة المراقب الاسبوعية من قبل الاقتصادي الفرنسي الفريد سوفيه (١٨٩٨ – ١٩٩٠) ولم يقصد به معنا عنصريا أو جغرافيا بل مستوى الحريات العامة والخاصة، ونسبة التطور الزراعي والصناعي والاجتماعي والثقافي والصحي والعلمي والحقوقي والسياسي والمجتمعي، ودور النساء ودرجة تدخل – او عدم تدخل – الاديان بالدولة الخ). كما أراد التمييز بين دول العالم الأول، وهي ليست هبة السماوات، ولا دولا خاصة بالبيض ضد السود، ولا ضد المسلمين لصالح المسيحيين، لان أقوام مختلفة اشتركت في هذه الدول؛ بل العالم الأول من حيث توفر القيم الروحية والشروط المادية، وضمان حق الملكيات الخاصة بضوابط قانونية، وحق العيش والعمل والتعليم، ومشاركة النساء بشكل واسع في كل انشطة المجتمع وفي كل المؤسسات، وضمان الحريات العامة والخاصة بما فيها حرية المعتقدات، وحق التعددية السياسية، ووجوب غياب الجيوش والكنائس او الجوامع وكل دور العبادات الاخرى عن الحياة السياسية، وحق رعاية الانشطة الرياضية والعلمية مما يساهم ويساعد ويشجع الناس على الابداع والاكتشاف والاختراع والخلق والانشاء لمختلف متطلبات التقدم، الذي محوره الانسان، الذي يشارك – رجالا ونساء – في منظمات وجمعيات المجتمع المدني على نطاق واسع جدا، مع الحكومة بسلطاتها الثلاثة المستقلة والمتكاملة . ما يعني انه عندما تتوفر للإنسان المتطلبات اللازمة من حريات وغيرها فإنه قادر على الابداع والخلق.
من رواد دول العالم الاول هي الولايات المتحدة وكندة ودول اوربة الغربية والوسطى وأسترالية ونيوزيلندا واليابان وكورية الجنوبية وإسرائيل”، لأنها دول متقدمة على كل الأصعدة، ليس فقط الزراعية المتعلقة بالطبيعة بل في ميادين الصناعات الاكثر تعقيدا وتقنية، ضمن سياقات عمل منظم ومقنن ومبرمج ومأجور ونافع في الغالب. فكما يلاحظ بان اليابان وكورية الجنوبية دول ذات غالبية بوذية، واسرائيل ذات غالبية يهودية، وهي دول اسيوية لكنها فرضت نفسيها كقوى اقتصادية هامة على الصعيد العالمي.
دول العالم الثاني تتميز بغياب الكثير من الحريات العامة والخاصة وهيمنة فكر الحزب الواحد الذي يضع بطريقة مركزية ومن خلال لجان حزبية او قريبة منها كل السياسات والخطط الزراعية والصناعية والتعليمية والصحية دون مراعاة (اراء اهل الشأن أي قطاعات الشعب) والتضييق على الملكيات والانشطة الخاصة، ومحاربة الاديان بشكل لا مبرر له وليس فقط تحييدها. فتكون دولا اقل تطورا واقل انتاجا واقل حريات خاصة وعامة.
في مقدمة هذه الدول هي الاتحاد السوفييتي الذي استمر بين 1971و1990 ووريثته روسية التي لا زالت تحكم من قبل حزب واحد، وعودة الكنيسة الأرثودوكسية بطريقة شرهة لتعويض ما فاتها من سنوات الحرمان. كما ان دول اوربة الشرقية التي كانت مرتبطة بالاتحاد السوفييتي وهي (اوكرانية وروسية البيضاء ورومانية وبلغارية وهنغارية وبولونية ومنغولية والبانية) فلا زالت تحكم في معظمها من قبل حزب واحد مع عودة قوية للكنائس، ومثلها دول اسية الوسطى ذات الغالبية الإسلامية.
كما ان الصين الشعبية رغم أنها صارت منذ 2015 تشكل ثاني دولة في الصادرات بعد الولايات المتحدة، غيرانها مازالت تفتقد وتفتقر لمعظم معايير التقدم والتي هي (نسبة الحريات الخاصة والأنشطة السياسية والدينية والاقتصادية، حيث لايزال يحكمها حزب واحد ولازالت كثير من فئات المجتمع مهمشة وفقيرة وامية لم يصلها الماء المصفى ولا الكهرباء ولا المدرسة ولا الادوية اللازمة.
كما أنها لا زالت تمارس ضغوطا ضد اقلياتها من التبت والمسلمين. ومثلها فيتنام وكورية الشمالية وكوبا وكل الدول التي يحكمها حزب واحد استبدادي، مع وجود سجناء الكلمة وسجناء الرأي. اي ان العبرة ليس فقط بكثرة الانتاج بل بمدى ضمان حريات الانسان وحقوقه والتي لا ينبغي ان تفوق كثيرا عن واجباته.
فيما يتعلق ب (العالم الثالث) فان دوله التي هي الغالبية العددية لدول العالم تشترك معظمها بمشتركات ومعوقات وموانع سلبية تعيق وتعرقل تقدمها منها:
– الانفراد بالسلطة من قبل شخص واحد او حزب واحد واعتبارها مع الدولة وراثية وهبة من السماوات.
– اتساع ظواهر ومظاهر القدريات والغيبيات والتدين والطقوس الشكلية والتمذهب.
– الدعوات الكاذبة لتطبيق الشريعة في الدول الاسلامية لأنها دعوات حق يراد بها باطلا. لان الشريعة لو تطبق بشكل صحيح فإنها تعني تطبيق الدستور الذي هو القرآن والذي يدعو إلى القيم والحقوق والحريات والامانة والاخلاص في العمل وفي الواجب، والتكافل الاجتماعي.
كما ان تطبيق الشريعة لم ولن يصح تطبيقه على غير المسلمين الا ما يخدمهم منه، فهم مثل كافة المواطنين الاخرين في الواجبات الوطنية. أي أن المواطن غير المسلم في البلدان الإسلامية يجب ان يتمتع بكافة حقوق المواطنة من عمل وتعليم وصحة ومشاركة بشؤون الدولة والسلطة السياسية
– انتشار بعض القيم والمفاهيم العشائرية والقبلية البالية التي لا تنسجم مع روح العصر والتقدم والتمدن والقيم الروحية.
– انتشار الامية بشكل واسع وخاصة بين النساء مما يقلل من الايدي العاملة المنتجة ومن الاطفال المتروضين ترويضا جيدا في احضان امهاتهم الاميات.
-انتشار البطالة بشكل كبير في كل القطاعات مما يؤدي لقلة الاستهلال بسبب قلة القوة الشرائية مما ينعكس على قلة الانتاج.
-غياب شبه تام للنساء في الحياة العامة وفي الانشطة الاقتصادية والاجتماعية حيث يهيمن الرجال الذين يعجزون في الغالب عن حل كثير من متطلباته التي لا يحلها الا مشاركات النساء وادارات لامركزية.
– هناك بعض الدول التي استطاعت تطوير بعض المفاهيم والقيم والأفكار التي ساعدتها على التطور النسبي فتسمى (دولا تجاوزت او خرجت قليلا عن مستوى العالم الثالث لكنها لم يتصل بعد لمستولى دول العالم الثاني) منها دول في أمريكا الجنوبية والوسطى والهند وباكستان واندونيسية وماليزيا وتركيا ودولة جنوب افريقية.. وغيرها.
-هناك بعض الدول لم تأخذ حتى القليل من اساليب وممارسات دول العالم الثالث في الزراعة والتعليم والصحة فصارت تسمى (دول العالم الرابع) وهي اكثرية دول العالم التي لا تشارك بالاقتصاد العالمي الا ببعض المواد الخام. لان التقدم لا يعني عمارات شاهقة ولا مطارات واسعة ولا كثرة المساجد ودور العبادة ولا بعدد الجنود بل يعني عقليات وسلوكيات انسانية ومساهمات وطنية في ترقية قدرات الانسان لإعمار الارض.