نوبة صحيان

نوبة صحيان

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان العراقي جميل حمودي

نظرتْ من الشباك، رأتْ انسحاب أشعة الشمس الأرجوانية، من على جدار البيت المقابل، فهبتْ من رقدتها بأنفاس متسارعة، طلبتْ فتح كل الأبواب، والشبابيك ليدخل الهواء، على وقع تلك الضجة، قام أهل الدار جميعاً، تعلقت العيون بها وهي ملتصقة بالسرير، أشارتْ إلى زوجها، فمال نحوها، قالتْ له إنها تريد أن تتمشي في البيتأوقفها بينه وبين ابنه، وخرجتْ من الغرفة إلى المجاز، طافتْ عيناها على كل شيء، فلما وصلت إلى الزير، مالتْ إلى ولدها وقالت:

ـ هنا، قعدتك وكبشت من الطين، ولطخت جسمك الملدوغ بقرص الزنابير.

وسارتْ حتى بداية السلم، وأشارتْ:

ـ كان كانوني هنا.

نظرتْ إلى زوجها، وأكملتْ:

ـ   فاكر قعادنا في طوبة..

وأخذت تبكي، فخارت قواها، فعادا بها إلى السرير، لم تطلع الشمس إلا وهي جسد ساكن لا أنفاس فيه، والبيت يعشش فيه الحزن.

في غرفتها، جرت طقوس تغسيلها، أثناء ذلك كان زوجها يسند ظهره لجدار البيت المقابل، يطفئ سيجارة بعد أخري ويفكر في سنينها التي تحولت إلى عيال ملأت بهم الدار، كل واحد منهم قطعة منها، ومع مرور الأيام، أصبحت لا تغادر البيت إلا يوماً واحداً وأحياناً بعضاً منه، حتى في ذهابها لأهلها، لم تكن تمكث هناك إلا ساعات، يجدها جالسة كأنها تقعد على قطع من الجمر، سرعان ما تقول:

ـ نروح بيتنا.

تضحك أمها وتقول:

ـ بقي لك بيت.

تلسعه السيجارة، فيعود من شروده، فيري نعشها فوق الأكتاف، يهم بمغادرة عتبة الباب، وقف متردداً بعض الوقت، والحيرة تعبث بالوجوه، حيرة لم تستمر كثيراً، اندفع النعش بحامليه لجوف الدار، امتد الهرج والصخب خارج الدار وداخلها، وتوترت الدماء الجارية تحت جلودهم المكوية من نار شمس الجنوب، زادت والنعش يلف ويدور أمام الدار، رمى السيجارة، وتقدم منها، بينما الأفواه تردد:

ـ الجمل هام للنبي.

جمع شتات نفسه الشاردة، واقترب من النعش:

ـ يا أم الولد، مع السلامة.

استقر النعش فوق أكتاف حامليه للحظات، ثم تحرك.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.