كيلاني.. راعي الكلاب

كيلاني.. راعي الكلاب

حسن عبد الموجود

اللوحة: الفنان الإسباني خوان ميرو

كم كانت هذه المخلوقات الشرسة تطاردنا صباح مساء ولطالما امتلأت بها شوارع قريتنا وحقولها، فلا تكاد نفلت من كلب حتى يلحق بنا كلب آخر. والحقيقة أن اللائمة لا تقع علي الكلاب وحدها. فإننا نتحمل الجزء الأكبر منها. فلم نكن نتركها وشأنها تمضي أو تنام في سلام، وقد كنا نتسابق في جمع الأحجار من كل حدب وصوب. لا نبذل في ذلك جهدا كبيرا فهي بطبيعة الحال تملأ شوارعنا. ثم نعكر صفو كلابنا التي كانت تشاطرنا الفقر والهزال، فلا تكاد تنام أو تأكل حتى تفاجأ بوابل من أحجارنا تهرول أمامه هاربة إلي أطراف قريتنا البعيدة، حتى إذا انتهت ذخيرتنا الحجرية تنقلب الآية فنهرول هاربين يطاردنا النباح حتى عتبات ديارنا ولا نكاد ننتهي حتى نبدأ من جديد، وكم من مخالب وأنياب ما زالت آثارها في أرجلنا وظهورنا حتى الآن. وكم من ضحايا لهذه الحروب الطاحنة عولجوا ثم عادوا لصفوف الكتائب من جديد.

بيت واحد فقط لم تكن حملاتنا الحربية تجرؤ علي الاقتراب منه إنه بيت (عم كيلاني) ذلك الرجل الذي عاشت كلابنا في عهده عصرها الذهبي ونالت في رحابه من الكرم والأمان ما لا يصدقه سامع.. إلاأنني رأيت ذلك بعيني.

أقصي ما كانت تحظى به قطة من كرمنا رأس سمكة أو عظمة من دجاجة قد تتبعها قذفه نعل إذا واصلت إلحاحها أما الكلاب فلم يكن لها في بيوتنا نصيب، فأنا لا أذكر أننا أستضفنا في بيتنا كلبًا يومًا ما، فقد كانت الكلاب تطرد دائما إذا اجترأت ووقفت علي عتبة من عتباتنا، فلجأت كلابنا مرغمة إلي السطو علي حظائر الدجاج واقتحام أكوام القمامة والتهام ماشيتنا النافقة.نعم لجأ معظمها إلي هذه الطرق الصعبة للبقاء علي وجه الحياة في قريتنا الجائعة والبعض الآخر من الكلاب لجأ إلى دار (عم كيلاني) حيث الحياة والأمان

من منا كان يجرؤ أن يرفع حجرا في وجه كلب من الكلاب التي كانت تتراص في خمول وطمأنينة في ظل جدار الرجل الذي يملك ملاذها ومأواها الوحيد، لم يكن بالقوة التي ترهب أحدا ولكنه كان يملك قدرًا من الطيبة والسماحة أجبرنا علي احترامه وحبه لم يكن يرعى الكلاب لحراسة منزله الفاره أو حدائقه الغنَّاء فهو لم يكن يملك من حطام الدنيا شيئا.

 لقد علمنا عمنا (كيلاني) أن الكرم غير مشروط بغنى، وأن الكريم يفيض علي كل ما حوله من مخلوقات كالنهر العذب الذي يشرب منه الإنسان والحيوان علي وجه السواء.

لقد كان ما يقدم لهذه الكلاب من الطعام بسيطًا بل أقل من البسيط قد لا يتعدى أحيانا كسرات خبز يفتها بيديه في الماء ثم يقدمها لرعاياه في طبقه الواسع الذي لا يكاد يفرغ ولا يكاد يرتد عنه أحد أفراد رعيته خائبا، وعلي غير عادة الكلاب كانت تلتهم ما يقدم لها من لقيمات في قناعة ورضي ثم تشرب ما تبقى في الطبق من ماء لتملأ ما بقي في أمعائها من فراغ، ثم تعود لمكانها الآمن هناك في ظل الجدار لا تطارد أحدا ولا تخاف من أحد.

كنت علي صغر سني أتعمد أن ألقي السلام علي ذلك الرجل الذي علمنا الكرم حتى في رده للسلام فهو ما يكاد يسمع (السلام عليكم) حتى يجيب في تواضعه المعهود (وعليكم السلام ياعمي ورحمة الله وبركاته اتفضل.) نعم يقول لي ولغيري من الصغار ياعمي وهو في سن جدي أو يزيد.

لا أنسى أبدًا ذلك اليوم الذي جف فيه طبق الكرم الواسع وتجمعت النساء في ثيابهن السوداء حول الدار بين لاطمة لخد وشاقة لثوب، ووقفت الكلاب تعوي من بعيد، فقد رحل راعيها في الأرض إلي راعيها في السماء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.