الغريب

الغريب

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان الهولندي يوهانس فيرمير

تتطاير أنفاس الدخان في المقهي وسط صمت مطبق من رواده الذين كانوا في حالة تَرَقَّبَ وهم يشاهدون مباراة لكرة القدم، لمحته يجلس وحيدا وأمامه فنجان من القهوة.

 بادرته بالسؤال: لماذا عدت؟ في المرة الأخيرة التي التقينا فيها قبل عودتك إلى وطنك كنت سعيدا بقرار الاستقرار مع أبنائك بعد أكثر من 20 عاما في الغربة، فلماذا عدت إلى تلك الغربة الآن؟

سحب نفسا عميقا من سيجارته، اغْرَوْرَقَتِ عيناه بالدموع وتحدث بصعوبة: وجدت في وطني غربة أشد قسوة من هنا.

قاطعته: أي غربة وأنت بين زوجتك وأبنائك؟

بنبرة حزينة أجاب: اخفيت عنهم القرار لأزف لهم المفاجأة السعيدة، لكن عندما أعلنت عن رغبتي في العيش بينهم لأنعم بدفء العائلة الذي حرمت منه، أصيبوا بالخرس، ورأيت في عيونهم خيبة أمل.

 لم يصمتوا طويلا، و”ببجاحة” يحسدون عليها كشفوا عن احتياجهم لمزيد من المال لتحقيق طموحات جديدة، فالابن الأكبر يريد تأسيس شركة مقاولات، والأوسط تعثر في مشروع ويبحث عن فرصة أخرى، أما الأصغر فيحتاج إلى مبلغ شهري كبير للدروس الخصوصية.

توقعت أن تغضب زوجتي وتوبخهم، لكن خاب ظني فلم تكن أقل منهم قسوة وطعنتني بلا رحمة وقالت بابتسامة ماكرة: تبخر حلمي بشراء صيدلية جديدة بمساحة أكبر.

تركته غارقا في حزنه، وعدت إلى سكني المتواضع، لم يغمض لي جفن في هذه الليلة الحزينة، وواجهت نفسي بالحقيقة المُرّة التي أتعمد الهروب منها، إنه لا يعلم أني أعاني نفس مشكلته، لكنه تلقى الصدمة متأخرًا.

إنه لا يدرك أن سنوات البُعد فجَّرت بيننا وأولادنا أنهارا من الجفاء وقتلت المشاعر والأحاسيس، وأصبحنا بالنسبة لهم مجرد أوراق نقدية ورقم حساب في البنك

تأملت جدران الحجرة الحقيرة التي أقيم فيها مع أربعة من زملائي في العمل، وسبحت في الذاكرة المرهقة وقلبت أوراق أحداث عصيبة، واسترجعت مواقف تصرفت فيها بقلبي ونحيت عقلي.

لقد رفضت الإقامة في شقة فاخرة كما فعل زملائي لأدخر أكبر مبلغ لأولادي، توقفت أمام محطات قطار العمر المثقلة بأوجاع الوحدة والليالي الطويلة التي خاصمت فيها النوم، وتقلبت على أوجاع الاشتياق لزوجتي وابنائي، وكيف كنت أنسى التعب وتغمرني السعادة في الشهر الذي يسبق عودتي ولهفتي في شراء أجمل الهدايا لهم.

وفي يوم صادم، اختصرت أحلامي، وقد تصورت انتهاء أعوام الشقاء، في قضاء ما تبقى من عمري في “فيلا” فاخرة على طراز عصري، ومنيت النفس بأن أمدد جسدي المرهق وسط أولادي، وتصورت أنها ستكون حياة مرضية لهم، خاصة أني تصورت أني حققت لهم كل أحلامهم، وأمَّنت لهم مستقبلهم.

لكنى وجدت أحلامهم تعدت حدود السنوات الثلاثين التي عانيت فيها عذاب الغربة، وأن الحساب البنكي، والرقم المدوَّن فيه أهم من وجودي معهم

يومها ذهبت لأمي أشكو لها جحود أبنائي وزوجتي، استمعت بإنصات لكن لم تنطق بكلمة واحدة، وانشغلت بالتسبيح، لمحت الغضب يسيطر على ملامحها فشعرت برفضها الحديث، وقبل أن أهم بالانصراف، قالت بصوت يخنقه البكاء: من تعود على غيابك لن يشعر بوجودك، حذرتك من أن الحياة ليست في المال فتجاهلت نصائحي، عد من حيث أتيت وأكمل مشوارك الذي اخترته، فقد أصبحت غريبا بين أبنائك وزوجتك.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.