ريما إبراهيم حمود
اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر
قلقة.. كما لم أكن من قبل، الاستعدادات للرحيل، تجهيز الحقائب، و التخيل الدقيق مستمر لكل تفاصيل الرحلة، كلها توالت على مخيلتي طوال شهور تسبق موعد الرحلة.
حزمت أمي حقائبي دون أن تسألني عما سأحتاجه في رحلتي التي لم أحجز لها موعد عودة، أجلست أختي الصغيرة فوق كل حقيبة لترصّ ما فيها، ثم سحبت السحّاب الطويل و أحكمت إغلاق كل حقيبة بحيث يكون من الخطر فتحها قبل أوانها وإلا انفجرت أحشاؤها و تناثرت على الأرض ربطت الأحزمة المحيطة بها، ثم أحكمت إقفالها برقم سري أخبرتني فيما بعد أنها كتبته في ورقة دستها في حقيبة يدي البيضاء التي افترضت دون أن تسألني أنني سأحملها على كتفي، كما افترضت أيضا أنني سأرتدي ثوبي السكري الطويل و شالي البني و بلوزة الدانتيل الزرقاء الموشاة بورود ذهبية على أطراف كمها و ياقتها.
لم أحب مجادلتها قبل الرحيل، تظاهرت بالرضا، تفقدت غرفتي، الخزانة، السرير، و أدراج مكتبي، لأطمئن أنها فارغة من كل ما أحتاج، أثار خوفي ثقل الحقائب حين وجدت الغرفة فارغة تماما من كل شيء.
قبّلت يد أمّي ورأسها، عانقت أخواتي، سحبت مقبض الحقيبة الصغيرة الزرقاء أوقفتها، ثم سحبتها ورائي على أرض المطار، جرّ أخي الحقيبة السوداء الكبيرة واضعا الحقيبة الأصغر فوقها حتى أوصلني إلى نقطة الخروج، ثم تركني هناك وعاد إلى الوراء، أوقفت حقائبي بجانب بعضها لوحت للجميع بقبلة، ختمت جواز سفري و تجاوزت الشرطة أدفع بيد اليمنى الحقيبة الصغيرة و باليسرى أسحب الحقيبة الكبيرة.
وضعت الحقائب فوق بعضها و توقفت ألتقط أنفاسي في وسط قاعة المطار الضخمة التي تضطرب في أرجائها أصوات دقات كعوب الأحذية، الحقائب التي تجر على الأرض بعجلاتها، والأطفال الصارخون الراكضون حول ذويهم.
حاولت البحث عن مساعدة عامل ما يجر حقائبي بعربته إلى منطقة وزن الحقائب، طال وقوفي بلا فائدة، اختفى كل العمّال وراء عرباتهم و أكوام من الحقائب و الصناديق الكرتونية المغلفة بالنايلون الشفاف.
يئست، فقررت سحب الحقائب بنفسي إلى منطقة الوزن، سحبت الحقيبتين الصغيرتين أوقفتهما وراء شابين يزنان حقائبهما، عدت للحقيبة الكبيرة، دفعتها أمامي و أنا أتخيل حجم وكمّ الأشياء المدسوسة فيها جاعلة منها حجرا ثقيلا، وجدت الصف فارغا، تقدمت من الموظف، ناولته تذكرتي، رفعت حقائبي فوق الميزان، راقبت شاشته الرقمية التي لم تنطق برقم، أطلّ الموظف برأسه الحليق من وراء جهاز الحاسوب نظر إليّ غاضبا:
- لو سمحت.. ضعي الحقائب فوق الميزان.. موعد طائرتك اقترب.
أشرت إليها:
- وضعتها.
نزل الموظف من مكانه، بعد أن تفقد جهاز الحاسوب، نظر إلى الشاشة الرقمية للميزان، أشار إليّ:
- ارفعيها.
رفعتها بصعوبة بالغة.
- ضعيها مرة أخرى.
وضعتها، فظلّ الميزان أخرسا،لم ينطق بغرام واحد، تقدم الموظف من حقائبي، جذب الحقيبتين الصغيرتين فطارت يده بالهواء بما يتناسب مع القوة التي تخيل أن رفع الحقيبتين يحتاجه، سقطت الحقيبتان على أرضية المطار الرخامية محدثة دويا فارغا لفت انتباه كل المسافرين، تقدم من الحقيبة الكبيرة التي آلمت كتفي و يدي سحبها من مقبضها فسقطت على جانبها خفيفة كبالون ثم سارت بمفردها حتى الحاجز.
وضع الموظف يده على جبهته، تمتم بما لم أفهم، رفع صوته مشيرا إلى رأسه مؤرجحا أصابعه بما يدل على جنوني:
- أتزنين حقائبك فارغة ؟!!
دهشت، كنت أراقب ما يحدث مسمرة في مكاني كما لو أنه مشهد سينمائي تعمد أحدهم أن يجعله بطيئا ثقيلا، ركضت وراء حقائبي التي تناقلتها أرجل المسافرين، جمعتها، وحين قررت أن أفتحها أدركت أنني لم أحمل حقيبة الكتف البيضاء التي وضعت أمي فيها الرقم السري، و أن الحقيبة التي تتدلى من كتفي هي التي اشتريتها قبل أسبوع وحشوتها بكثير من الورق المطوي و علبة ألوان خشبية.
جميلة ❤️
إعجابإعجاب