ثرثرة جانبية

ثرثرة جانبية

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الأميركي ويليام إيكن ووكر

ألقيت عليه تحية تليق بسنّه الكبير وحالته الرثة، ردّ بغمغمة كأنما ينفي عن نفسه تهمة،تجاوز الثمانين بقليل، ضاحك الثغر، لا يزال يحتفظ ببعض أسنانه، حريص على تدخين سجائر، يلفّها بيديه، بعض من تبغ و وريقة ” بفرة ” يُخرجها من عُلبة صفيح صدئة بجيب داخلي.

كان يستوطن رصيف الطريق السريع، طلبا لراحة، تدخين سيجارة من صنعه، رآني مقبلا ناحيته فأشار بيديه: كأنما يناديني.!

مدّ يده، أدركت أنه يريد النهوض، فساعدته، وجدت قبضته حديدية، عصّر يديّ بقوة لا تناسب عمره المديد، سرنا سويا، سألته: إلى أين؟ هل أعبر بك الشارع؟ أليس لك أهل أصلك بهم؟ ثم عبثت بجيوبي بحثا عن ” فكّة ” أحتفظ بها لمثل تلك المناسبات.. 

حديث متدفق من ناحيتي، صمت مطبق ونظرة تموج بعجب و غضب على وجهه، نطق عبارة حادة صكّ بها أذني، بدا أنها قد اخترقت أسماع المارة: أراك تثرثر كثيراً، ألا تتوقف عن الحديث؟! ثم وكزني بيده بكتفي فأحسست بوخزة شديدة، قائلا: للحديث آداب ينبغي أن تعيها.

عفوا أيها الشيخ، ما أردت إلاّ مساعدتك.! فهل تجاوزت معك؟!

قطب جبينه، نفض بعض غبار علق بجلبابه القديم، وصلنا للجهة المقابلة للشارع، فأشار لبناية قديمة، تتدلى على واجهتها لافتة باهتة الكتابة ” مكتب الشهر العقاري النموذجي “، توقف، ثم همس: هذا فراق بيني و بينك. 

مضغت الهواء تحت أضراسي غيظا، زاد عجبي، حينما لمحنا شخص من الداخل، هبّ كأنما رأى عزيز قوم، تنادى على زملاء له، فهُرعوا جميعا، وقفوا بين يدي الشيخ، بكل إجلال، بعضهم خطف قبلة سريعة من يديه.

سألت: من هذا الرجل؟! من يكون؟! انسابت نظرات شفقة ناحيتي، ثم أحسست بشيء براحة يميني أودعه أحدهم، كانت بعض من عملات معدنية صغيرة. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.