بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر
تتأمل عينيها في مرآتها الكبيرة وتعيد بصوت عال موعد وصول طائرته، رقم الرحلة، صالة الوصول، تعقص شعرها للخلف وتتراجع خطوتين لتري نفسها كاملة، ليست كاملة، شئ ما ينقصها، تعرف ذلك
تركض إلي طعام تعده وتسبغ علي المكان نظرة راكضة، كل شيء في مكانه، حتي الشموع المعطرة، وأدوات الطعام، وشال أحمر جديد منقوش يستقر بعفوية مقصودة علي الأريكة التي تعيد تعديل وسائدها الصغيرة، ولا تنسي أن تضع بعض الحنين بينها، قلبها يفيض به علي الأشياء، تؤكد لنفسها أنه سيحب طهيها، لم يحدث أن قال غير أحب كل ما فيك، كل ما تلمسين، غمست إصبعها في إناء حار تلمس طعامه
راكضة هي بين المكان، ترقص وهي تقلم إظفراً وتعيد طلائه، ترتدي علي عجل، وتغير رداءها مرات، تدور فراشة في حجرتهما الصغيرة، وتطبع قبلة وردية علي المرآة قبل أن تغادر
في سيارتها يعلو صوت النفير تتعجل القوم، وتعقد ساعديها حبيسة إشارة مرور أنارها حمراء من لا يقدِّر عجَلتها، يأتيها صوت صغيرها علي الهاتف، هل وصل أبي، تتساءل هل فعلت صواباً، لكنها تريد هذه اللحظات بكل كيانها، تسأله، هل يضايقك أولاد خالتك، هل تشعر بالضيق، لا تريد سماع الرد، يؤكد أنه لا يستطيع النوم هناك، وتؤكد أنها ستصحبه صباحاً، إنها فقط ساعات بعد وحدتها الطويلة، تريد ذاتها امرأة بعد دوام أمومتها طويلاً
تركض مجدداً يتساقط منها حنينها الجارف، تتمنى لو يجمعه كل المنتظرين ليسكبوه في قلوب القادمين، سيفيض، تدرك ذلك
تراه من بعيد قادماً ملوحاً لها بيده، لا تري سواه، تتخبط بين العابرين، يضمها لصدره، لا تغادره، ولا تريد مغادرته، يُقبِّل جبينها وينتزعها من فوق شفتيه، تبكي وكفَّاها يحتضنا وجهه بينما عيناه تجوب بين أولئك العابرين، خَجِلاً كان حبيبها، ويسأل عن الصغير
لم يتوقف عن الحكي ولم تتوقف عن الاستماع تقاطعه قبلاتها، تلمس وجهه كل حين فيلثم أناملها، تزينها ضحكاته، تنظر إليه نائماً كالملاك ضاما كفها، فتزيح شالا أحمر منقوش عن فراشها برفق إلى الأرض، وتنظر من بعيد لوجهها في مرآتها البعيدة، كاملة هي الآن، ترسل لصورتها البعيدة قبلة وردية قبل أن تطفيء إضاءة خابية