ثقافات.. وسرديات أخرى

ثقافات.. وسرديات أخرى

حسن عبد الموجود

اللوحة: الفنان الإسباني فرانثيسكو غويا

ثقافات

مزهواً أقف أمام قفص النمر أوضح لتلاميذي في المدرسة الخاصة التي أزهو أيضا بالعمل فيهاـ الفارق الكبير بين الأسد والنمر وكيف أن جلد النمر المرقط هو الفارق الجوهري بين الحيوانين المفترسين

 حينها مر بملاسه المتواضعة يتبعه سربه بملابس أكثر تواضعاً يحاول دون جدوى تجفيف العرق بمنديله القماشي البالي بينما يحاول بيده الأخرى أن يرفع بنطاله الواسع الذي يخونه مرة بعد أخرى فيهرب من جسده النحيل

لاحقه أبناؤه بسيل من أسئلتهم التي انطبع ما فيها من إحراج على ملامحه

 جذبني الفضول إلى متابعة موقف معلم الحكومة القروي الساذج بينما تبارى أبناؤه في حك أنوفهم المحشوة بأطراف أكمامهم الرثة والتي بدت كمرايا لامعة بينما انهالت عليه قذائفهم الـمُلحة من جديد

ـ ما اسم هذا الحيوان يا أستاذ؟

ـ ما الذي يأكله؟

ـ ولماذا؟ وأين ؟ ومتى؟

فيجيب المسكين بشكل مقتضب يكاد لا يُسمع

ــ هذا أسد يا أولاد وطبعاً يأكل لحم غزال

ثم يصمت ليبتلع ريقه الجاف محاولا تجميع ذاكرته دون جدوى

مسكين، لقد تجسدت صورة المفترسات في ثقافته المتواضعة في شكل أسد بينما لعب الغزال دور الضحية الوحيدة

تنحيت به جانبا لأصحح له المعلومة بصلف وتكبر لا أنكرهما

ــ يا أخي ألا تعلم أن هذا هو النمر؟

 يا أخي ألا تعلم أنهم يذبحون في حديقة مدينتنا الحمر الأهلية الهزيلة التي يزهد فيها فلاحوها لضعف أو مرض أو هزال ثم يلقون لحمها إلى ملوك الغاب التي تحرم قهراً من مجرد رؤية الغزلان التي يقبع قطيعها في مكان منعزل بعيد تماماً عن أقفاص الوحوش؟

يا أخي

وهنا قاطعني صوت جهوري لشاب في مقتبل العمر ونضرته يقف أمام القفص بملابسه المهندمة يشرح لتلاميذه الأكثر هندمة والذين يبدو من زيهم أنهم ينتمون إلى إحدى مدارس اللغات

 وقف معلمهم يشرح لهم كيف أن الفهد حيوان قوي وسريع يشتهر بكثرة نومه ثم أخد يستشهد بالمثل القائل “أنوم من فهد” وأوضح لهم الفارق الكبير بينه وبين النمر

بحثَت يدي المرتعدة عن جيب بنطالي لإخراج علبة مناديلي الورقية دون جدوى

 بينما كنت أنظر إليه مذهولاً فاغرا فيَّ كفهد كسول عاوده النعاس أختلس النظر إلى زميلي الماثل بجانبي فاغراٌ فاه كنمر يتوثب للقتال.

أنبوبــة غـــاز

إنه أغسطس اللعين!

لا أدري ما الذي أنزلني من المنزل في تلك الساعة من النهار، لا أكاد أري ظلاً لشيء فقد وقفت الشمس في وسط السماء لترسل سياطها الصيفية على رؤوسنا العارية.

مسكينة تلك المرأة القادمة من بعيد، يبدو أنها قادمة من مخزن أنابيب الغاز لا أصدِّق أنها تكبدت كل هذا العناء،كيف تستطيع أن تحمل أنبوبة الغاز الثقيلة قادمة من المخزن الذي يبعد أكثر من كيلو متر ولِمَ تكبد نفسها مشقة السير في هذا الوقت من النهار ومشقة الوقوف في طابور طويل أمام المخزن

 لِمَ لَمْ تستأجر سيارة؟ !لِمَ لَمْ تغير أنبوبتها الفارغة من العربات الكارو التي تزعجنا بطرقاتها المتواصلة صباح مساء، أتعدل بضعة الجنيهات التي توفرها هذا المجهود الخرافي الذي تبذله!

اقتربت مني شيئًا فشيئاً فبدت ملامحها البائسة التي يغطيها العرق، إنها في عقدها الخامس أو هكذا بدا لي، ما أذهلني وأفقدني تركيزي في ذلك الوجه الشاحب وأنساني كل ما أعانيه من قسوة السماء أنها رفعت يدها اليسرى في همة مفاجأة وأخذت تطرق بمفتاح الأنابيب بكل عنف فوق الأنبوبة التي رسخت فوق هامتها كجبل من حديد

كومة لحم

كل صباح يفزعني كالعادة صوت الجرس، أقوم في تثاؤب، أجلس على حافة السرير، أمضي مترنحًا أقدِّم رجلاً وأؤخر أخرى، أنظر إلي كومة اللحم المتراصة في غرفتنا الوحيدة في طمأنينة وسكون، أتحسس رقبتي، أحاول ابتلاع ريقي الجاف دون جدوى، ثم أمضي أقدِّم رجلاً ولا أؤخر أخرى.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.