مطر

مطر

ريما إبراهيم حمود

اللوحة: الفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر

  • لولولولولوششش
  • عادت الكهرباء.
  • يا أم أحمد الكهرباء عادت.
  • لولولولوششش
  • هيا يا بنات اجمعن الملابس المتسخة للغسيل.
  • الراديو يا أحمد أحضره لي.. أسرع. 
  • هل يعمل التلفاز ؟
  • ضعي ماء في الثلاجة يا آمنة بسرعة أشتهي الماء باردا. 
  • يا رب.. فرجك.
  • السخان يا عليا السخان، اشتقت للماء الساخن.

 دبّت الحركة في الحارة، هدير الغسالات يتصاعد من كل بيت، الصغار يقفزون من باب لباب، يتسلقون الحائط حتى الجرس، يضربونه و يهربون بقهقهةٍ تتدحرج وراءهم كرة زجاج حتى الباب التالي، لم يفتح أحد السكان بابا ليشتم أحدهم، لم يصرخ بهم نائم أزعجوه، كان الجميع منتشياً بالكهرباء حتى الثمالة. 

 أمام المرآة وقفتْ، تأملتْ شعرها الطويل الأجعد متشابكة نهاياته، تقفز خصلاته كلما لمستْها في الهواء، يضيع فيها الضوء منحنياً تائهاً، أدخلتْ أصابعها بين خصلاته، علقتْ بين تشابكته، أخرجتْها بكومة شعر ملتفة حولها. 

 سحبتْ مجفِّفَ الشعر من الدرج الأوّل، احتضنته بسعادة، أدخلتْ المقبس في الحائط، شغّلته فارتفعَ هديره، عبّتْ من فوهته رائحة الشعر المحروق التي اشتاقتها، قسّمتْ شعرها إلى خصل، رفعتْ كلَّ خصلةٍ بمشبك، لفّتْ الخصلة الأولى على الفرشاة الدائرية الكبيرة، مرَّرت فوقها الهواء الساخن، حركتْ الفرشاة بالخصلة صعوداً ونزولاً حتى انسابتْ الخصلة على كتفها طويلةً ناعمةً لامعةً، ابتسمتْ:

  • أخيراً.

 سحبتْ كل الخصل الأخرى بالمجفّف، أمالتْ غرّتها إلى اليسار، فركتْ بين كفيها بعضا من كريم الشعر اللامع، مرّرتهما على شعرها، تأملته كما تشتهي تماما، أعطتْ ظهرها للمرآة، حملت المرآة الصغيرة لتتأكّد من استواء شعرها على ظهرها، أدخلت أصابعها بين خصلاته فهربت الخصل و عادت إلى مكانها حريرا لامعا.

 مدّتْ رأسها من النافذة، لوّحتْ له، كان يقف في الشرفة المقابلة، لوّح لها رفع كفيه إلى وجهه، طوق فمه رسم بشفتيه: ( أحبك ) 

 رسمتْ له في الهواء قلباً، أقفلتْ الستارة، ارتدتْ ثوبها الأزرق، رفعتْ غرتها بطوق شعر أبيض، أخرجتْ من وراء سريرها زجاجة عطر صغيرة، عطّرت كفيها..رقبتها.. رسغها، تجاوزتْ الصالة دون أن ينتبه أحد لخروجها، نزلتْ الدرج فراشة زرقاء، مدت يدها لتفتح الباب الأسود المؤدي للخارج، فتحتُه، وضعتْ قدمها عند حافةِ الباب، فاهتزَّ الشارع كله بقذيفة هاون جديدة، تراجعتْ للوراء، انتظرتْ لدقائق وراء الباب حتى زال الغبار، خرجتْ خَطَتْ إلى الشارع، مشتْ فيه هادئة واثقة، تلمس شعرها الناعم بغرور افتقدته كثيرا، مشى هو محاذيا لها على الرصيف المقابل، تجاهلا المارة الراكضين، الصغار الذين يلتقطون بقايا عبوات الرصاص و القذائف عن الأرض.

 قبل الشجرة الكبيرة التي يتّمتْها الحربُ بأمتار، أفلتَتْ الغيوم مطرا افتقدته الأرض طويلا، علا صخب الصغار، رفع الكبار أيدهم للسماء شاكرين.

 بدأ حبات المطر تخترق شعرها، لفت ذراعيها فوقه، ذعرت، رفعت السترة القطنية البيضاء التي ارتدتها فوق شعرها الذي بدأ يعود لجنونه و فوضاه، ركضت عائدة إلى بيت الدرج، تجاوزت الأنقاض قافزة، شعرها يتطاير وراءها، فتحت الباب بعنف حتى ضرب الحائط وراءه، أقفلته، ركض وراءها، أقفلت الباب فاصطك حديده بقوة، فتحت النافذة الزجاجية الصغيرة في أعلاه، رأته ينتظرها مذعورا وراءه، أشارت إلى شعرها، و غابت داخل البيت.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.