الجنّة والنار

الجنّة والنار

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الروسي أليكسندر أرشانسكي

سماعات عملاقة تستند على قوائم، تعلو هامات المارة والحضور، على رأس كل ناصية واحدة منها، سوداء كليل بهيم، استرعت انتباهنا، لم تكن موجودة عند ذهابنا لأعمالنا صباح اليوم، أوعز أحدهم إليّ: لعل أحدهم يقيم سرادقًا لمناسبة سعيدة.

أثنيت على رجاحة عقله، أجبته: ربما مأتم، أو إحياء لذكرى سنوية لكبير.

تساوت لدينا كافة الاحتمالات، خصوصًا عندما عمّ صمت غريب، جو لا نعرفه عن المآتم أو الأفراح، في غمرة انشغالنا بالأمر، اندلعت المكبّرات في وقت واحد، ندّ عنها صوت كنفير يوم القيامة، انخلعت له الأفئدة، تحطّمت النوافذ الزجاجية القريبة، ثم تردد الصوت بصدى كبير اهتزت له الحوائط، تحول إلى ايقاعات راقصة متناغمة، تجاوبت معها أجساد المارة، ثم خرج من باطن الأرض مهرّج بملابسه المعروفة، بأنفه الحمراء ككرة صغيرة، فمه المفتوح من الجانبين، فيُحار المرء أضحكه هذه، أم نهنهة أم ثكلى.. وقف وسطنا، يصيح بعبارته الشهيرة: قرّب قرّب..

فاقتربنا، أكثر وأكثر حتى ضاقت الدائرة بنا، تزاحمنا كتفًا بكتف، في ذلك الوقت كانت الشمس تدنو من رؤوسنا، كانت ترغب بدورها في مشاهدة الحدث عن قُرب، زاحمتنا بلهيبها الحارق، فانساح العرق من كل صوب، سالت ألوان وجه “المهرج” فإذا بوجه شاحب نعرفه، أقسمت للجميع أنه ذلك الكبير الذي يقضُّ مضاجعنا ليل نهار بسُخف حديثه..

انبرى صديق حسن النيّة، قاطعني، فنّد رأيي قائلاً: بل هو ذاك الأفّاق الذي يعتلي المنابر، يخطب فينا، يرعبنا ويرهبنا، بين يديه الجنّة والنار..

علا الصياح، وزاد اللغط حتى غطّى على مكبّرات الصوت العملاقة، فرصة انتهزها “المهرج” فتكوّر حول نفسه، ضغط جسده داخل قبّعة طويلة كانت بجعبته، تاركًا وراءه عصاه السوداء..

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.